ومن ذلك ما قاله أبو تمام « 1 » :
وإن الغنى لي إن لحظت مطالبى * من الشعر إلا في مديحك أطوع
فقد اشتمل على اعتراضين ، أحدهما قوله إن لحظت مطالبى ، والآخر قوله « إلا في مديحك » والمعنى في البيت كله أن الغنى أطوع لي من الشعر لو لحظت مطالبى ، وقوله إلا في مديحك ، جاء بالجملة الاستثنائية مقدمة ، وموضعها التأخير ، فاعترض بها بين الجملة الشرطية ، وخبر إن ، والمراد من هذا هو أن مطالبه من الشعر إذا لحظ نجاحها فالغنى بها أسهل من الشعر في مدح كل أحد إلا في مديحك ، فإن الشعر أسهل علىّ ، وهذا من محاسن ما يوجد في الاعتراض ، ومن ذلك قول كثيّر عزة :
لو أن الباخلين وأنت منهم * رأوك لعلّموا الناس المطالا
فقوله : « وأنت منهم » ، اعتراض بين لو وجوابها ، وفائدته التصريح بما هو المقصود من ذمّه وتأكيد انصراف الذم إليه ، ومنه قول أبى تمام « 2 » :
رددت رونق وجهي في صحيفته * ردّ الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه * حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمى
فقوله « وخير القول أصدقه » من الاعتراض الرائق وفائدته تحقيق المماثلة بين صيانة الوجه وحقن الدم .
« الضرب الثاني » « من الاعتراض » وهو الذي يأتي لغير فائدة ،
ثم هو على وجهين ،
الوجه الأول منهما أن يكون غير مفيد لكنه لا يكسب الكلام حسنا ولا قبحا ،
وهذا كقول زهير « 3 » :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
فقوله « لا أبا لك » من الاعتراض الذي ليس فيه فائدة توكيد ، وليس فيه قبح ، وهكذا
هامش
( 1 ) البيت لأبى تمام ، وهو في ديوانه ص 181 .
( 2 ) البيت لأبى تمام ، وهو في ديوانه / 273 ، ضمن أبيات يمدح فيها أبا سعيد ، محمد بن يوسف .
( 3 ) البيت لزهير بن أبي سلمى ، وهو في ديوانه / 75 ، من معلقته التي يمدح فيها هرم بن سنان والحارث بن عوف .