الضرب الأول ما يكون دخوله من أجل الفائدة التي تليق بالبلاغة ،
وهذا كقوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 )
[ الواقعة : 75 - 76 ] ففي هذه الآية اعتراضان ، أحدهما بجملة اسمية ابتدائية ، وهي قوله :
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 )
فأتى بها اعتراضا بين القسم وجوابه ، وإنما أتى به على قصد المبالغة للمقسم به واهتماما بذكر حاله قبل جواب القسم ، وفيه الإعظام له والتفخيم لشأنه ، وذلك يكون أوقع في النفوس ، وأدخل في البلاغة ، وثانيهما بجملة فعلية بين الصفة والموصوف ، وهو قوله تعالى :
لَوْ تَعْلَمُونَ
فإنه وسطه بين الصفة وموصوفها تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره ، كأنه قال وإنه لقسم لو علمتم حاله أو تحققتم أمره ، لعرفتم عظمه ، وفخامة شأنه ، فهذان الاعتراضان قد اختصا بمزيد البلاغة وموقع الفخامة مبلغا لا ينال ، ومن هذا قوله تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 )
[ النحل : 57 ] فقوله : « سبحانه » كلمة تنزيه أوردها اعتراضا بين الجملتين مبالغة في التنزيه عما نسبوه إليه من اتخاذ البنات ومبالغة في الإنكار عليهم في هذه المقالة ، فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه اللفظة أعنى قوله « سبحانه » من حسن الموقع بكونها واردة على جهة الاعتراض ، وما تضمنته من الفوائد الشريفة والأسرار الخفية ، من الإنكار والرد والتهكم ، وإظهار التعجب من حالهم وغير ذلك من اللطائف ، فسبحان الله لقد أنشأت هذه الآية للعارفين استطرافا وعجبا ، وحركت في قلوبهم أشواقا وطربا ، لما اشتملت عليه من عجائب الفصاحة التي لا ينطق بها لسان ومن غرائب البلاغة ما لا يطلع فجها إنسان .
ومن الاعتراض الرشيق قوله تعالى : في سورة يوسف :
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ
[ يوسف : 73 ] فقوله :
لَقَدْ عَلِمْتُمْ
اعتراض بين القسم وجوابه ، وفائدته تقرير علمهم بالبراءة عن الفساد والبعد عن تهمة السرقة ، ثم إنهم مع إثبات علمهم بذلك أكدوا ذلك بالقسم مبالغة في الأمر .
ومن الاعتراض الذي طبّق مفصل البلاغة قوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي
[ لقمان : 14 ] فقوله حملته أمه إلى قوله عامين ، وارد على جهة الاعتراض بين الفعل ومتعلقه ، وسر ذلك هو أنه لما ذكر توصية الوالدين عقبه بما يؤكد أمر الوصية . ويؤذن باستحقاقها من أجل ما تكابده الأم من