الفصل السادس في ذكر التخلص والاقتضاب
وهما واديان من أودية البلاغة ، ومن حكمهما يظهر فضل الناظم والناثر ، وكل واحد منهما يرد في منثور الكلام ومنظومه ، لأن معناهما حاصل فيهما ، فأما الاقتضاب فلا يظهر خلاف في وروده في القرآن الكريم ، وإنما الخلاف في ورود التخلص في القرآن ، وحكى عن أبي العلاء محمد الغانمى أنه أنكر وروده في التنزيل ، وزعم أن كتاب الله تعالى خال عنه ، وهذا فاسد ، فإن كتاب الله تعالى لا واد من أودية البلاغة إلا وهو آخذ منه بنصيب ، وسنورد من ذلك ما يدل على وقوعه فيه ، فإذا عرفت هذا فلنذكر التخلص ، ثم نردفه .
بذكر الاقتضاب فهذان ضربان نفصلهما بمعونة الله تعالى .
الضرب الأول في [ التخلص ]
ومعناه في ألسنة علماء البيان ، أن يسرد الناظم والناثر كلامهما في مقصد من المقاصد غير قاصد إليه بانفراده ، ولكنه سبب إليه ، ثم يخرج فيه إلى كلام هو المقصود ، بينه وبين الأول علقة ، ومناسبة وهذا نحو أن يكون الشاعر مستطلعا لقصيدته بالغزل ، حتى إذا فرغ منه خرج إلى المدح على مخرج مناسب للأول ، بينهما أعظم القرب والملائمة بحيث يكون الكلام آخذا بعضه برقاب بعض كأنه أفرغ في قالب واحد ، ثم يتفاضل الناس في التخلص ، فعلى قدر الاقتدار في النظم والنثر يكون حسن التخلص ، والتخلص في النثر أسهل منه في النظم ، لأن الناظم يراعى القافية والوزن ، فيكون في ذلك صعوبة بخلاف الناثر ، فإنه لا يراعى قافية ولا يحافظ على وزن ، بل هو مطلق العنان يضع قدمه حيث شاء ، فمن أجل ذلك كان أشق على الناظم منه على الناثر ، لما ذكرناه ، ولنذكر في إيضاحه أمثلة أربعة .
المثال الأول من كتاب الله تعالى
وهو قوله :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ( 69 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ ( 70 ) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ( 71 ) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 ) قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 )