تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
من الإرصاد التام ، فإن كل كلمة من هذا الكلام مناسبة لما بعدها وملائمة له على أكمل نظام ، وأعجب إتمام ، فلو وقف على قوله « فإنك ممن استظهر به » لفهم ما بعدها ولو وقف على قوله « وأقمع به » لفهم ما وراءها ، لأن الاستظهار تقوية واعتماد ، والقمع هو الكف وهو ملائم للنخوة وهو العلو والكبر وهكذا قوله :
وَاخْفِضْ
فلو وقف عليه لفهم منه الجناح ، لأنه يستعار كثيرا في لين الجانب كما قال تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 )
[ الحجر : 88 ] وهكذا القول في سائر ألفاظه ، فإنها متلائمة متناسبة يدل بعضها على بعض .

المثال الرابع ما ورد من كلام أهل البلاغة

واعلم أن الشعراء المفلقين يفتخرون بما كان أول البيت دالا على آخره ، وفي هذا يقول بعضهم :
خذها إذا أنشدت في القوم من طرب * صدورها عرفت منها قوافيها ينسى لها الراكب العجلان حاجته * ويصبح الحاسد الغضبان يطريها
وهذا هو الإرصاد كما قلناه ، ومن جيد الإرصاد ما قاله البحتري :
أحلّت دمى من غير جرم وحرّمت * بلا سبب يوم اللقاء كلامي فليس الذي حلّلته بمحلل * وليس الذي حرّمته بحرام « 1 »
فليس يذهب على السامع وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني أن عجزه ما قاله البحتري ، وقد جرت العادة عند إنشاد الشعر بانتهاب عجز البيت من لسان منشده قبل ذكره ويسبق إليه فينشده قبل إنشاده له لما كان المعنى مفهوما قبل ذكره ، وهذا هو الذي نريده بالإرصاد ومن هذا قول بعض البلغاء :
ولربما اعتصم الحليم بجاهل * لا خير في يمنى بغير يسار
فهذا إذا قرع السامع صدر البيت ووقف على قوله « لا خير في يمنى » فإنه يتحقق أن لا بد من ذكر اليسار لا محالة ، لما فيه من الملائمة له والمناسبة ، ومن ذلك ما قاله زهير
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عم « 2 »
فالأزمنة ثلاثة ، الماضي ، والحاضر ، والمستقبل ، فلما ذكر حكم الماضي ، والحاضر ،
هامش
( 1 ) البيتان في المصباح ص 199 ، والصناعتين ص 398 ، والإيضاح : 308 . ( 2 ) الإيضاح ص 175 ، ص 317 .