النوع الثاني ما ورد من جهة السنة النبوية
فأما الإيجاز فمثاله قوله صلّى اللّه عليه وسلّم حكاية عن الله تعالى :
أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، بله ما ادخرت لهم ، وفي حديث آخر في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد ، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة على جهة الإجمال ، وأما الإطناب فكقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من لذّذ أخاه بما يشتهيه رفع الله له ألف ألف درجة وكتب له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وأطعمه من ثلاث جنان ، من جنة الفردوس ، ومن جنة الخلد ، ومن جنة عدن » ، ومن ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سقى مؤمنا شربة سقاه الله من الرحيق المختوم ، أو قال من نهر الكوثر ، ومن كسا مؤمنا كساه الله من سندس الجنة ، ومن أطعم مؤمنا لقمة أطعمة الله من طيبات الجنة وفواكهها » وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الإيمان إنه بضع وسبعون بابا أعلاه لا إله إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق ، فهذا وما شاكله من باب الإيجاز الرائق والاختصار الفائق لاندراج الخصال الكثيرة والشعب المنتشرة تحت ما ذكره في حق الإيمان . ومن الإطناب قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يكمل إيمان العبد بالله ، حتى يكون فيه خمس خصال ، التوكل على الله ، والتفويض إلى الله ، والتسليم لأمر الله ، والرضا بقضاء الله ، والصبر على بلاء الله ، إنه من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله فقد استكمل الإيمان » ، فانظر إلى ذكره تلك الخصال الخمس التي جعلها أصلا في كمال الإيمان كيف أردفها بما هو كالثمرة لها ، والمصداق لأمرها بقوله : إنه من أحب لله ، لأن كل من كملت فيه تلك الخصال فلا شك في كون أعماله تكون لله من حب أو بغض أو إعطاء أو منع ، ومن الإطناب الحسن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن العبد لا يكتب في المسلمين حتى تسلم الناس من يده ولسانه ، ولا يعد من المؤمنين حتى يأمن أخوه بوائقه ، وجاره بوادره ، ولا ينال درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذارا ما به البأس » ، ومن الإيجاز الرشيق قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في طلب الرزق : « إن الرزق ليطلب الرجل كما يطلبه أجله » ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك » ، ومن الإطناب قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا ابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن وينقص كلّ يوم من أجلك وأنت تفرح تعطى ما يكفيك وتطلب ما يطغيك ، لا من كثير تشبع ، ولا بقليل تقنع » ، فأصغ سمعك أيها الناظر إلى هذا الإطناب البالغ في الموعظة كل غاية ، والمتجاوز في النصيحة كل حد ونهاية .