تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢

الفصل الثاني عشر في بيان المفردات التي خرجت عن هذه الفصول العشرة

اعلم أن من الألفاظ المفردة ما يتعلق بالبلاغة ، ويستعمل في مواطن الفصاحة ، ولم يمكن إيراده في أثناء هذه الفصول ، لاختلافها لكونها غير مندرجة تحت ضابط واحد ، فلا جرم أفردناها بكلام يخصها ، وهي منقسمة باعتبار الكلمة إلى ثلاثة أصناف :

الصنف الأول ما يتعلق بالأسماء

ونورد منها صورا

الصورة الأولى قولهم [ « هذا » ]

وهو من أسماء الإشارة ، وهو إنما يرد على جهة الإشارة إلى كلام سابق ، ومثاله قوله تعالى :
هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ( 49 )
[ ص : 49 ] فإنه لما قص ما ذكره من حديث الأنبياء أيوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل ، أكد تلك القصص باسم الإشارة ، والعطف بذكرها على ما سبق ، ليؤكد أمرها ويوضح حالها من أجل أن لا يخالج فيها لبس أن يعتريها ريب ، ومصداق ما قلته من إفادتها للتأكيد هو أنها لا تأتى إلا وتعقّبها إنّ المؤكدة كما في ظاهر الآية من أجل إفصاح ما قلته من تأكيدها ، وهذا كقولك لبعض إخوانك : رأيي لك أن تفعل كذا وكذا ، ثم تقول بعد ذلك : هذا وإن الأمر إليك فافعل ما ترى ، والمعنى هذا الذي أراه مصلحة لك في الدين والدنيا ، وإليك الخيرة بعد في أمرك ، وكقوله تعالى :
هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ( 55 )
[ ص : 55 ] فإنه ذكرها عقيب قوله :
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ( 50 ) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ ( 51 )
[ ص : 50 - 51 ] أي هذا نعيم ، وملك مقيم ، وشرف وعلو مرتبة ، والجملة التي بعدها ليس لها موضع من الإعراب ؛ لأنها واردة على جهة الابتداء ، ولهذا جاءت متصلة بها ، لتدل على تأكيدها ، وقد يجيء بعدها جملة حالية ، وهذا كقولك لمن يفشل ويضطرب حاله وينزعج قبل ملابسة الحرب : « هذا ولم تشجر الرماح » ، ولا وقعت المكافحة بالصفاح ، ومثل قولك لمن لا ثبات له في الأمر الذي يحاوله ، ولا ترسخ قدمه عند مشارفة ما هو بصدده : « هذا ولم يطر الذباب » ، والمعنى هذا حالك إذا كلمتك شفارها ، وأصابك لهبها وشرارها ، ويتصدى في قولنا : هذا من جهة الإعراب وجهان ، أحدهما الرفع على أنه