الفن الأول من علوم الكتاب في ذكر المقدمات
وهي خمس
المقدمة الأولى في تفسير علم البيان وبيان ماهيته
اعلم أن كثيرا من الجهابذة والنظّار من علماء البيان ، وأهل التحقيق فيه ، ما عوّلوا على بيان تعريفه بالحدود الحاصرة ، والتعريفات اللائقة ، ولا أشاروا إلى تصوير حقيقة يعرف بها من بين سائر العلوم الأدبية ، والعلوم الدينية ، كعلم الفقه ، وعلم النحو ، وعلم الأصول ، وغيرها من سائر العلوم ، فإنهم اعتنوا فيها نهاية الاعتناء . وأتوا فيها بماهيّات تضبطها وتفصلها من سائر العلوم . وعلى الجملة فإن ذلك غفلة لأمرين أما أولا فلأن الخوض في تقاسيمه وخواصّه ، وبيان أحكامه ، فرع على تصوّر ماهيته ؛ لأن من المحال معرفة حكم الشئ قبل فهم حقيقته . وأما ثانيا فلأن الخوض في أسراره ودقائقه إنما هو خوض في المركبات ، والخوض في معرفة ماهيته إنما هو خوض في المفردات . ولا شكّ أنّ معرفة المفرد سابقة على معرفة المركب . ولأجل ما ذكرناه لم يكن بدّ من بيان معقوله ، ومعرفة ماهيته . فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر معناه وبيان موضوعه ومنزلته من العلوم الأدبية ، وثمرته وكيفية الوصول إليه . فهذه مطالب خمسة .
المطلب الأول في بيان ماهيته
فإنما يتخصص بالإضافة ، فيقال فيه علم المعاني ، ويقال علم البيان ، ويقال له علم المعاني والبيان جميعا ، فكلّ هذه الإضافات جارية على ألسنة علمائه في الاستعمال في أثناء المحاورة . وعلى الجملة فله مجريان .
المجرى الأول منهما : لغوى ، فإذا قيل : علم المعاني ، فالمعانى جمع معنى كمضارب ومقاتل . والمعنى مفعل واشتقاقه من قولهم عناه أمر كذا إذا أهمه وقيل لما نفهم من الكلام معنى لأنه يعنى القلب ويؤلمه . وهو اسم والمصدر منه عناية ، يقال عناه الأمر عناية . وإذا قيل : علم البيان فالبيان اسم للفصاحة . وفي الحديث « إنّ من البيان لسحرا » . والمصدر منه