حيث كان منعما بالخلق ، والإيجاد ، والتكوين ، والرحمة ، واللطف ، فلهذا حصلت الإضافة منبهة على هذا المعنى ، ودالة عليه ، ثم عقب ذلك بقوله :
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
وإنما خصّ السماوات والأرض ، لما فيهما من باهر القدرة ، وعظم الملكوت ، ولهذا قال تعالى :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
[ غافر : 57 ] وقدم السماوات لأنها من أعظم المخلوقات ، ألا ترى إلى قوله :
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ
[ الأعراف : 185 ] وقوله :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
[ الأنعام : 75 ] ولما كانت مختصة به من الإحكام البديع والانتظام الباهر ، ولما كانت مكانا لأشرف المخلوقات وهم الملائكة ، ولما تميزت به من كونها موضعا للعبادة ، والتقديس ، والتمجيد ، وأنواع العبادات كلها ، ولكونها محطا للرحمة ، ونفوذ الأوامر والأقضية ، والتدبيرات ثم عقبها بذكر الأرض مشيرا إلى عظم منافعها وكونها متصرفا للخلق ، وبساطا ممهدا للتصرفات ، واستصلاح الأقوات من الزروع والثمار ، والفواكه وأنواع المعادن ، وغير ذلك ثم قال :
وَما بَيْنَهُما
يشير به إلى مهابّ الريح ، وتصاريفها من أجل إصلاح الزروع ، وتحريك السفن ، وجرى السحاب لإرسال الأمطار ، وطلوع الشمس والقمر ، من أجل الإضاءة والإنارة للعالمين ، والنجوم للاهتداء في ظلمات البر والبحر ، ثم إيراده عقب قوله :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
على جهة التعليل لاستحقاقه للربوبية والإلهية فكأنه قال :
وإنما كان ربا لكم ، وإلها ومستحقا لهاتين الصفتين من أجل أنه خالق السماوات والأرض وما بينهما ، فإن من هذه حاله فإنه مستحق لا محالة لأن يكون ربا وإلها ، فالتكوين في هذه الأمور الثلاثة فيه دلالة على أنه لا بدّ من موجد وقادر ، ومكون ، لأن من المحال في العقول أن حصول الشئ بعد أن لم يكن لا بدّ له من قادر ، وموجد ، فمطلق الإيجاد والتكوين دالان على القادرية ، والخلق وهو التقدير فيه دلالة باهرة على الإتقان ، وهي العالمية ثم قوله :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
فيه تنبيه على الوحدانية ، لأن من هذه حاله في التكوين والإيجاد لا يكون إلا مختصا بالإلهية والربوبية دون غيره ، لما قد تقرر ببرهان العقل استحالة مكون لهذه الأشياء سواه فكأنه قال إن ربكم الله الذي من شأنه خلق هذه المكونات الباهرة لا رب ولا إله لكم غيره ، ثم لما كانت دالة على القادرية ، والعالمية ، كما أشرنا إليه فهي دالة على الوجود بلا أولية ، لأنه لو كان معدوما لاستحال منه الإيجاد لهذه المكونات ، لأنه لا فرق في مسالك العقول بين إسنادها إلى العدم وبين