تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧

المقدمة الرابعة في ذكر مفهوم الفصاحة والبلاغة وبيان التفرقة بينهما

اعلم أنّ هذا الباب من أجل علوم البيان وأعلاها ، وأرسخ قواعده وأسماها ، وفيه تتفاوت القيم ، وتتفاضل الهمم ، والذي يتعلق بغرضنا منها هو الكلام فيما يتعلق بالبلاغة على الخصوص ، وفيما يتعلق بالفصاحة على الخصوص ، ثم نذكر التفرقة بينهما فهذه مطالب ثلاثة .

المطلب الأول في بيان ما يتعلق ب [ الفصاحة ] على الخصوص

الفصاحة في اللغة عبارة عن البيان والظهور ، يقال أفصح العجمي إذا خلص كلامه عن اللكنة واللحن ، وأفصح اللبن ، إذا ذهب عنه اللباء وزالت عنه الرغوة ، وأفصحت الشاة ، إذا صفا لبنها عمّا يشوبه ، وأفصح الصبح إذا ظهر وعلا ضوؤه ، وفيه المثل « أفصح الصبح لذي عينين » . وفي مصطلح علم البيان خلوص اللفظ عن التعقيد في تركيب الأحرف والألفاظ جميعا ، فمتى سلمت اللفظة الواحدة عن تنافر تركيبها ولم تكن من قبيل قولنا : عقجق ، ولا من قولهم : « الهعخع » وهو شجر . وسلم تركيب الألفاظ عن التنافر أيضا كما قيل :
« ليس قرب قبر حرب قبر » « 1 »
لأن التنافر في الأول إنما كان من أجل تقارب مخارج تلك الأحرف ، وحصل التنافر في الثاني من جهة تركيب الألفاظ المتقاربة ، فحصل من أجل ذلك عثار في اللسان ، وتوعر في المخارج ، فلأجل ذلك كان متنافرا فالألفاظ في سهولة تركيبها وعثورته وسلاسته ووعورته بمنزلة الأصوات في طنينها ولذة سماعها ، ولهذا فإنه يستلذ بصوت « القمرىّ » ويكره صوت « الغراب » ويستظرف صهيل « الفرس » ويستنكر نهيق « الحمار » فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن مقصودنا من الفصاحة يحصل بالبحث عن أسرارها .
هامش
( 1 ) أورده فخر الدين الرازي في نهاية الإيجاز ص 123 بلا عزو وصدره « وقبر حرب بمكان قفر » وهو مجهول القائل . القفر : الخالي من الماء والكلأ .