النوع الرابع ما ورد من الكنايات في كلام البلغاء
فمن ذلك ما روى عن عمرو بن العاص أنه لما زوج ولده عبد الله بن عمرو بن العاص ، امرأة فمكثت عنده ثلاث ليال ، لم يدن منها ، وإنما كان ملتفتا إلى صلاته ، فدخل عليه عمرو بعد ثلاث فقال لها : كيف ترين بعلك ، فقالت : نعم البعل هو ، إلا أنه لم يغش لنا كنفا ، ولا قرب لنا مضجعا . فقولها « لم يغش لنا كنفا » من الكنايات الغريبة ، والكنف هو الستر ، والكنف الوعاء ، وكلاهما محتمل هاهنا ، ومن أمثال العرب قولهم :
« إياك وعقيلة الملح » جعلوا هذا كناية عن المرأة الحسناء في منبت السوء ، فإن عقيلة الملح ، هي اللؤلؤة تكون في البحر ، فهي حسنة ، وموضعها ملح ، ومن ذلك قولهم « ليس له جلد النمر ، وجلد الأسد » إذا كثرت عداوته ، وعظم حقده ، واشتد غضبه ، ولهذا قال أمير المؤمنين لابن عباس « وقد بلغني تنمرك على بنى تميم » يشير به إلى ما ذكرناه ، ومن هذا قولهم « قلب له ظهر المجن » جعلوه كناية عن أن يبدو له خلاف ما كان يعهده منه ، من الألفة والمودة ، وقولهم « فلان ورمت أنفه علينا » إذا كان مغتاظا يظهر الحنق والغضب ، ومن هذا قولهم « الآن حمى الوطيس » جعلوه كناية عن شدة الحرب والتحامها ، أخذ لها من حر النار ، والوطيس التنور ، وقد قيل : « إن أول من تكلم بهذا المثل رسول صلّى اللّه عليه وسلّم في حنين » لما رأى جلادهم بالسيف بعد الهزيمة للمسلمين ، قال ذلك ، فإن صح هذا كان الأحسن إيراده في قسم كنايات الأخبار ، ومن ذلك ما ورد عنهم من قولهم « التفت حلقتا البطان » وهذا مثل جعلوه كناية عند شدة الأمر ، وازدحام العظائم في الحروب وغيرها ، ومن ذلك ما روى أن امرأة جاءت إلى عائشة رضي الله عنها ، فقالت : أقيد جملي ؟ فقالت لها عائشة « لا » وأرادت المرأة أنها تصنع بزوجها شيئا يمنعه عن غيرها ، أي تربطه أن يأتي سواها ، فظاهر هذا اللفظ يفيد تقييد الجمل ، وباطنه أنها جعلته كناية عما ذكرناه ، ومن هذا ما يحكى عن عبد الله بن سلام أنه أتاه رجل عليه ثوب معصفر فقال له : لو أن ثوبك