تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨

النوع الثالث فيما ورد من الكنايات عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه

اعلم أن الكنايات في كلامه عليه السلام أكثر من أن تحصى ، ولكنا نورد من ذلك نكتا لطيفة ، فمن ذلك قوله عليه السلام في ذم البصرة وأهلها : « كنتم جند المرأة ، وأعوان البهيمة ، رغا فأجبتم وعقر فهربتم » فأخرج هذا الكلام مخرج الكناية ، فجعل قوله ، كنتم جند المرأة ، كناية عن خفة أديانهم وترك التصلب والوثاقة فيها ، برياسة المرأة عليهم ، ويشير إلى سقوط المروءة والشهامة ، وقوله « وأعوان البهيمة » جعله كناية عن جهلهم وسخف حلومهم وفراغ قلوبهم ، حيث انقادوا للجمل ، وكانوا أتباعا له فساروا حيث سار ، ووقفوا حيث وقف ، وهذا فيه نهاية الانتقاص ونزول القدر وقوله « رغا فأجبتم » جعله كناية عن دعاء عائشة إلى حربه وتألبها عليه ، وتشميرها في قتاله ، وقوله « وعقر فهربتم » جعله كناية عن الطيش والفشل ، وكثرة الانزعاج . وهذه الكلمات في الكناية كلها دالة على نهاية الذم لهم ، والركة لأحوالهم ، والتلبس بالخصال الدنيئة في الدين والدنيا ، وانسلاخهم عن الخصال الشريفة ، والمراتب العلية ، وهو بأسره حكاية عما كان بينه وبين عائشة وأهل البصرة ، وطلحة ، والزبير يوم الجمل ، وصفة ما كان منهم ومنه في ذلك . ومن ذلك قوله عليه السلام لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودعى إلى المبايعة فقال : « ما أجر ولقمة يغص بها آكلها » فجعل هذا كناية عن أمر الخلافة وأنها صعبة عسرة ، لذتها حقيرة وأيامها قليلة ، وأخطارها عظيمة ، وأمورها صعبة ، فجعل هذه الأشياء كناية عما ذكرناه ، ثم قال : « فإن أقل تقولوا حرص على الملك ، وإن أسكت تقولوا جزع من الموت » فهذا كلام ، أخرجه مخرج الكناية عن كونه غير منقاد لما قالوه ، ولا طيب النفس لما دعوه إليه ، ومعناه ، فإن أقل « نعم » وقع في نفوسهم أن مساعدتى إنما كانت من أجل محبتي للدنيا ، وشغفى بلذتها ، وطمعا في عاجلها ، وإن أسكت ، أي لا أجيبهم إلى ما قالوا ، وقع في نفوسهم أن سكوتى ، وعدم انقيادى ما كان إلا من أجل جزعي من الموت ، واقتحام موارده ، ومقاساة الشدائد ، وتحمل أعباء الخلافة والنهوض بأثقالها . ومن ذلك قوله عليه السلام في الشقشقية « أما والله لقد تقمصها فلان » يكنى بذلك عن « أبى بكر » في خلافته ، « وإنه ليعلم أن محلى منها محل القطب من الرحا » كنى به عن استحقاقه للإمامة ،