المطلب الرابع في بيان الطرق إليه
اعلم أن إحرازه إنما يكون بإحراز ما يحتاج إليه من العلوم الأدبية . ولما كان المقصود به هو الاطلاع على حقائق علوم الإعجاز ، والإحاطة بعلم الفصاحة والبلاغة فما كان أصلا في معرفة هذه الأشياء فهو مفتقر إليه . وما لا يحتاج إليه في هذه الأشياء فهو غير مفتقر إليه . فصارت العلوم بالإضافة إلى ما تفتقر إليها وتستغنى على ثلاث مراتب .
المرتبة الأولى : لا يفتقر إليها بكل حال .
وهذا نحو العلوم العقلية ، كالعلم بالمباحث الكلامية والطبّ . والفلسفة وأحكام الحساب ، وغير ذلك من علوم العقل . فما هذا حاله من العلوم فلا يستمدّ منها ولا تكون طريقا إليه .
المرتبة الثانية : ما يكون مفتقرا إليها ،
ولا يمكن الوصول إليه إلا بها وبإحرازها وهي آلة فيه . وذلك أنواع ثلاثة :
النوع الأول منها : معرفة اللغة
مما تداولته الألسنة وكثر استعماله وصار مألوفا . لأن موضوعه هو البلاغة والفصاحة وهما من عوارض الألفاظ والمعاني . فمن لم يعرف شيئا من اللغة لا يمكنه أن يخوض في عارض من عوارضها فيحصل له من الألفاظ المفردة معرفة معانيها الموضوعة لها ، ويعرف نسبة الكلم المفردة إلى معانيها ومسمياتها ففيه غرض عظيم يحصل عليه وجملتها أربعة . أولها : المترادفة . ونعنى به الألفاظ المختلفة الصيغ المتواردة على معنى واحد .
وهذا نحو الخمر ، والمدام ، والعقار ، ونحو الليث ، والأسد ، وثانيها : المتباينة . ونريد بها الألفاظ المختلفة على المعاني المختلفة . وهذا نحو الإنسان ، والفرس ، والأسد . وثالثها :
المتواطئة . وهي الألفاظ المطلقة على معان متغايرة يجمعها أمر معنوىّ تكون مشتركة فيه . وهذا نحو قولنا رجل ، فإنه يطلق على زيد ، وعمرو ، وبكر ، بجامع الرجولية والإنسانية وهكذا قولنا فرس ، وحيوان . ورابعها : المشتركة . وهي الألفاظ المتفقة الدالّة على معان مختلفة غير متفقة في أمر معنوىّ . وهذا نحو قولنا : عين ، فإنها تطلق على العين الباصرة ، وعين الشمس ، وعين الركية ، وعين الميزان فهذه المعاني كلها مختلفة في أنفسها ولا تتفق إلّا في مجرّد اللفظ لا غير . ومن الناس من زاد على هذه الألفاظ قسما خامسا وسماه المشكك والمشتبه ، وجعله مترددا بين المشتركة ، والمتواطئة ، وهذا نحو إطلاق لفظ النور ، على ضوء الشمس ، والقمر ، والنار ونور العقل ، ونحو لفظ الحىّ فإنه يطلق على الحيوان ، والنبات . والأقرب إلحاقه