التنبيه الثالث في بيان ثمرة التشبيه وفائدته
اعلم أنك إذا أردت تشبيه الشئ بغيره فإنما تقصد به تقرير المشبه في النفس ، بصورة المشبه به ، أو بمعناه . فيستفاد من ذلك البلاغة فيما قصد به من التشبيه على جميع وجوهه من مدح ، أو ذم ، أو ترغيب ، أو ترهيب ، أو كبر ، أو صغر ، أو غير ذلك من الوجوه التي يقصد بها التشبيه وتراد للإيجاز أيضا والاختصار في اللفظ من تعديد الأوصاف الشبهية ، وتراد للبيان والإيضاح أيضا ، فهذه مقاصد ثلاثة نفصلها بمعونة الله تعالى .
المقصد الأول في إفادته للبلاغة
، وهذا كقوله تعالى :
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
[ الرحمن : 24 ] فشبه السفن الجارية على ظهر البحر بالجبال ، في كبرها وفخامة أمرها على جهة المبالغة في ذلك ، وهكذا القول في جميع تصرفات التشبيه ، فإنه لا ينفك عن إفادة البلاغة ، وإلا لم يكن تشبيها ، لأن إفادته للبلاغة هو مقصده الأعظم ، وبابه الأوسع ، ولهذا فإنك لا تكاد تجد تشبيها خاليا عن مقصود البلاغة على حال ، وكلما كان الإغراق في التشبيه والإبعاد فيه وكونه متعذر الوقوع والحصول ، كان أدخل في البلاغة ، وأوقع فيها ، وهذا نحو تشبيه نور الله تعالى بنور المصباح في المشكاة ، سواء قلنا : إن المشبه هو نور الله تعالى كما هو الظاهر من الآية ، أو هو نور الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالمقصود هو البلاغة في ذلك ، كما قال بعضهم في وصف الخمر :
وكأنها وكأن حامل كأسها * إذ قام يجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت فنقّط وجهها * بدر الدجى بكواكب الجوزاء
فانظر إلى ما أبدعه في المبالغة بهذا التشبيه ، حيث شبه الساقي بالبدر ، وشبه الخمر بالشمس ، وشبه حببها بالكواكب إغراقا في ذلك ، ومبالغة فيه ، وكما قال بعض الشعراء :
في وصف الشقائق على أعوادها إذا حركتها الريح فتارة تستقيم ، وتارة تعوج قال :
وكأن محمر الشقي * ق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر * ن على رماح من زبرجد