لي سكرتان وللندمان واحدة * شيء خصصت به من بينهم وحدي
ثم قالوا لدعبل : كأنّك قد جئت بقولك :
لا تعجبي يا سلم من رجل * ضحك المشيب برأسه فبكى
ومنها :
لا تأخذوا بظلامتي أحدا * طرفي وقلبي في دمي اشتركا « 1 »
ثم قالوا لأبي الشّيص : كأنك قد جئت بقولك :
حلّي عقال مطيّتي لا عن قلّى * وامضي فإني يا أميمة ماضي « 2 »
اثنان لا تصبو النساء إليهما * ذو شيبة ومحالف الإنفاض « 3 »
قال أبو الشّيص : بل أنشدكم أبياتا قلتها في هذه الأيام . قالوا : هات . فأنشدهم :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخّر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذة * حبّا لذكرك فليلمني اللّوّم « 4 »
وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا * ما من يهون عليك ممّن يكرم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم * إذ كان حظي منك حظي منهم
قال أبو نواس : أحسنت واللّه وملّحت « 5 » ولتعلمن أني سآخذ منك هذا المعنى فيشتهر ما أقول ولا يشتهر ما قلت . فأخذه وضمنه قوله في الخصيب « 6 » :
فما جازه جود وما حلّ دونه * ولكن يصير الجود حيث يصير « 7 »
فسار هذا لأبي نواس ولم يسر بيت أبي الشّيص إلّا دون ذلك .
وحدّثني أبو مالك عبيد اللّه بن محمّد قال : قال ابن الأعمش : « كان أبو الشّيص عند عقبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي » « 8 » وكان من أكرم الناس عليه ،
هامش
( 1 ) الظلامة : ما احتمل من الظلم .
( 2 ) عقال المطيّة : الحبل الذي يشدّ به - وقوله : حليّ عقل مطيّتي أي دعيني أرحل أو أمضي - القلى : البغض والكراهية .
( 3 ) لا تصبو النساء إليهما : لا تحنّ إليهما أو تميل - محالف الإنفاض : الفقير الذي هلك ماله .
( 4 ) اللّوم : جمع لائم .
( 5 ) ملّحت : أتيت بكلام مليح .
( 6 ) الخصيب : من ولاة مصر في العصر العبّاسي ، اتصل به أبو نواس ومدحه بقصائد جياد .
( 7 ) جازه : تجاوزه ، تخطّاه .
( 8 ) قوله : كان أبو الشيص . . . إلى الأشعث الخزاعي » ، زيادة من إحدى الروايات .