ميمون . قال : مولاي سديف ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، ثم هنّأه بالخلافة ، ودعا له بالبركة ، وأنشده قصيدته التي أولها :
أصبح الملك ثابت الآساس * بالبهاليل من بني العبّاس « 1 »
« لا تقيلنّ عبد شمس عثارا * واقطعن كل رقلة وغراس » « 2 »
ولقد ساءني وساء سوائي * قربهم من منابر وكراسي
فاذكروا مصرع الحسين وزيد * وقتيلا بجانب المهراس « 3 »
والقتيل الذي بحرّان أضحى * رهن رمس وغربة وتناسي « 4 »
ذلّها أظهر التودّد منها * وبها منكم كحزّ المواسي « 5 »
أنزلوها بحيث أنزلها الل * ه بدار الإتعاس والإنكاس
فعملت كلمته في أبي العبّاس وحرّكت منه ، وعنده قوم من بني أمية فقالوا :
أعرابيّ جلف « 6 » جاف لا يدري ما يخرج من رأسه . فتفرق القوم على ذلك .
فلمّا كان من الغد ، وجه أبو العبّاس إليهم : أن اجتمعوا واغدوا على أمير المؤمنين مع سيّدكم سليمان بن هشام ليفرض لكم ويجيزكم - وكان سليمان يكنّى أبا الغمر ، وكان صديقا لأبي العبّاس من قبل أن تفضي « 7 » إليه الخلافة ، يكاتبه ويقضي حوائجه - فلما أصبحوا تهيئوا بأجمعهم ، وبكروا إلى أبي العبّاس مع أبي الغمر ، فأذن لهم ورفع مجالسهم ، وأجلس أبا الغمر سليمان بن هشام عن يمينه على سريره ، وجاء سديف حين سمع باجتماعهم حتى استأذن عليه ، فلما مثل بين
هامش
( 1 ) البهاليل : جمع بهلول وهو السيّد الجامع لكلّ خير .
( 2 ) لا تقيلن عثارا : من قولهم : أقال اللّه عثرتك أي أنهضك من سقوطك ، ولا تقيلن عثارا أيضا : أي لا تصفح - بنو عبد شمس : بنو أميّة - الرقلة : النخلة الطويلة .
( 3 ) مصرع الحسين : أي مصرع الحسين بن عليّ في كربلاء - زيد : هو زيد بن عليّ بن الحسين كان خرج على هشام بن عبد الملك وكان قتله على يد يوسف بن عمر الثقفي - القتيل بجانب المهراس : هو حمزة بن عبد المطلب ، والمهراس : موضع ماء بجبل أحد .
( 4 ) القتيل الذي بحرّان : هو إبراهيم بن محمد بن عليّ الملقّب بالإمام وكان رئيس الدعوة لبني العبّاس ، وكان قتله على يد مروان بن محمد - وقوله : قتل صبرا أي حبس على القتل حتى يقتل - الرمس : القبر .
( 5 ) الحزّ : القطع - المواسي : جمع الموسى ، وهي آلة من فولاذ يقطع أو يحلق بها .
( 6 ) الجلف : الغليظ الجافي .
( 7 ) أفضى يفضي إليه الأمر : وصل إليه .