فلما سمع هذين البيتين كاد يطير ارتياحا ثم قال : يا أشجع ، لقد دخلت إليّ وأنت أثقل الناس على قلبي ، وإنك لتخرج من عندي وأنت أحبّ الناس إليّ . فقال له :
فما الذي أكسبتني هذه المنزلة ؟ قال له : الغنى ، فاسأل ما بدا لك . قال : ألف ألف درهم . قال : ادفعوا إليه .
وممّا يستجاد له قوله في الرشيد :
قصر عليه تحيّة وسلام * نشرت عليه جمالها الأيّام
فيه اجتلى الدّنيا الخليفة والتقت * للملك فيه سلامة ودوام
كانت كنوز مآثر فأثارها * ملك على آرائه عزّام « 1 »
من لي بالعصرين يعتورانني * والعام يدفع في قفاه العام « 2 »
أدناك من ظل النبيّ وسيلة * وقرابة وشجت بها الأرحام « 3 »
وصلت يداك السيف يوم تعطّلت * أيدي الرجال وزلّت الأقدام
وهي مختارة يقول فيها :
وعلى عدوّك يا بن عمّ محمد . . .
ومختار شعره في الرشيد وفي البرامكة . فممّا له في الرشيد قوله ، وقد ركب في يوم عيد ركبة لم ير الناس مثلها أحسن هيئة وأتم زينة وأكمل أداة وأكثر قوّادا وجندا « 4 » :
لا زلت تنشر أعيادا وتطويها * تمضي بها لك أيّام وتثنيها
مستقبلا جدّة الدّنيا وبهجتها * « أيّامها لك نظم في لياليها » « 5 »
« العيد والعيد والأيام بينهما » * موصولة لك ، لا تفنى وتفنيها
ليهنك النّصر والأيّام مقبلة * بالنّصر والعزّ معقود نواصيها « 6 »
والقصيدة طويلة . وهي مشهورة ، فاقتصرنا على ذكرها .
هامش
( 1 ) العزّام ( صيغة فعّال ) : والعزّام مبالغة العازم ، والعزّام الأسد .
( 2 ) يعتور : يتداول .
( 3 ) أدناك : قرّبك ، جعلك دانيا أي قريبا - وشجت الأرحام : اشتبكت .
( 4 ) وفي رواية : أكثر قواد وجند والصواب ما ذكر .
( 5 ) الكلام البارز بين المزدوجين زيادة واردة في نصّ الشعر والشعراء .
( 6 ) العزّ معقود نواصيها : النّواصي جمع ناصية وهي شعر مقدّم الرأس إذا طال .