الياسمين وأرج الزّنابق وتحدق بمجلس الشراب والنّدامى ألحاظ الحسان النّافذة في الجوارح والقلوب نفاذ النصال والأسنة والنّبال . وكي لا ندخل عالم ابن المعتز الخمري فنضيع في أروقته ، نقتصر على لمحات قليلة من هاتيك الأجواء الغارقة في نشوة السكر والجمال ، كما في قوله :
خليليّ قد طاب الشراب المبرّد * وقد عدت بعد الشكّ والعود أحمد
فهاتا عقارا في قميص زجاجة * كياقوتة في درّة تتوقّد
يصوغ عليها الماء شبّاك فضّة * لها حلق بيض تحلّ وتعقد
وغنّى لها في جوفها حبشيّة * عليها سراويل من الماء مجسد
فظاهرها حلم صبور على الأذى * وباطنها جهل يقوم ويقعد
ولما جنيناها قطافا رويّة * تذوب إذا مسّت عناقيدها يد
هذه الملامح التي اخترنا من شعر ابن المعتز لا تغني عن مصاحبة الشاعر في جنبات ديوانه ورياضه الفوّاحة ، وجنان عالمه الغارقة في النور والضّياء والموشّحة بالأصباغ والمرصّعة بألوان مستمدة من قوس قزح الطبيعة .
وقصيدة ابن المعتزّ ، إلا نادرا لا تمعن في الطول وقد تظلّ مقطوعة ، وتتضاءل المقطوعة لتكون كالرباعيات . بل هو يطيب له أحيانا أن يتحفنا بالبيت الفريد .
ومن أهم مرتكزات ابن المعتز الفنيّة عنايته بالتشبيه - وقد استوقف النقاد ببراعة تشابيه وإلحاحه على هذا الضرب من ضروب البيان . كشف هؤلاء النقّاد سمات التشابيه المعتزّيّة - إذا صحت النسبة - وافتنوا في الإيماء إليها فقال ابن منظور : وابن المعتز « نادر التشبيهات الملكية » « 1 » . وذهب ابن رشيق إلى أنّ التشبيه هو الاتجاه الذي غلب على شعر ابن المعتز والطريقة التي انقاد إليها في مقابل التصنيع عند أبي تمّام ووصف الطيف عند البحتري . وابن المعتز نفسه قال : « إذا قلت كأن ولم آت بعدها بالتشبيه ففضّ اللّه فأي » « 2 » . واعتبر صاحب العمدة أن هذا الشاعر العبّاسي انتهى إليه التشبيه كما انتهى إليه سرّ صناعة الشعر « 3 » .
ويجمع دارسو ابن المعتز على أن بيئة الشاعر هي التي أعطته القدرة على حشد الصور اللامتناهية من التشبيه في شعره ، وهو ما أكّده ابن الرومي حين قال عنه إنّه في هذه التشابيه « إنما يصف ماعون بيته » .
هامش
( 1 ) انظر نثار الأزهار ص 28 .
( 2 ) انظر معاهد التنصيص ص 194 .
( 3 ) العمدة ( 2 / 19 ) .