قال الإمام فخر الدين - رحمه اللّه - : « هذا لا يمكن إجراؤه على ظاهره من وجوه :
أحدها : أنّه يقتضى أن يكون للّه تعالى أعين كثيرة ، وهذا يناقض ظاهر قوله تعالى :
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
« 1 » .
وثانيها : أنّه يقتضى أن يصنع نوح عليه السلام ذلك الفلك بتلك الأعين ، كما يقال : كتبت بالقلم ، وقطعت بالسكين ، ومعلوم أنّ ذلك باطل .
وثالثها : أنّه ثبت بالدلائل القطعية العقلية أنّه تعالى منزّه عن الأعضاء ، والجوارح ، والأجزاء ، والأبعاض فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وهو من وجوه . . « 2 » .
وذكرها الإمام فخر الدين ، وحاصل ذلك أنّه مما تقدم في قوله تعالى :
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
، والمعنى : العلم ، وأنّ صنعك الفلك بمرأى منّا ، ومسمع ؛ ليكون نوح عليه السلام واثقا بأنّ اللّه معه « 3 » .
وأمّا لفظ « العين » - وهي للجارحة - فقد وردت كثيرا من ذلك : قوله تعالى :
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
« 4 » .
وقوله تعالى : /
تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
« 5 » .
هامش
( 1 ) سورة طه 20 : 39 ، قال أبو عمران الجوني ، في معنى الآية : « تربّى بعين اللّه تعالى » .
انظر : حلية الأولياء 2 / 311 .
( 2 ) عبارة الأصل : « الأول : إنّ هذا يقتضى . . . الثاني : . . الثالث : . . . فوجب المصير في هذا إلى التأويل « والمثبت رواية التفسير الكبير 17 / 222 وتكملة العبارة من التفسير :
الأول : أنّ معنى بأعيننا ، أي : بعين الملك الذي كان يعرّفه كيف يتخذ السفينة ويقال : فلان عين على فلان ، نصب عليه ؛ ليكون متفحصا عن أحواله ، ولا تحول عنه عينه .
الثاني : أنّ من كان عظيم العناية بالشئ فإنّه يضع عينه عليه ، فلمّا كان وضع العين على الشئ سببا لمبالغة الاحتياط ، والعناية ، جعل « العين » كناية عن الاحتياط ، فلهذا قال المفسرون ، معناه :
بحفظنا إيّاك حفظ من يراك ، ويملك دفع السوء عنك .
( 3 ) التفسير الكبير 22 / 53 .
( 4 ) سورة آل عمران 3 : 13 .
( 5 ) سورة المائدة 5 : 83 .