[ تعليق التوحيدي ]
قد شدد « 1 » هذا الشيخ كما ترى ، ولست أرى هذا المذهب محيطا بالحق ، ولا معلّقا بالصواب ، ولا داخلا في الإنصاف ، فإن الإنسان لا يمكنه أن يعيش وحده ، ولا يستوي له أن يأوي إلى المقابر ، ولا بدّ له من أسباب بها يحيى ، وبأعمالها يعيش ، فبالضرورة ما يلزمه أن يعاشر الناس ، ثم بالضرورة ما يصير له بهذه المعايشة « 2 » ، بعضهم صديقا ، وبعضهم عدوا ، وبعضهم منافقا ، وبعضهم نافعا ، وبعضهم ضارّا ، ثم بالضرورة يجب عليه أن يقابل كل واحد منهم بما يكون له [ مردّ ] من دين ، أو عقل ، أو فتوّة ، أو نجدة ، ويستفيد [ هو ] من ذلك كلّه ما يكون خاصّا به ، وعائدا بحسن العقبى عليه ، إمّا في العاجل ، وإما في الآجل ، ولعزّة الحال في وجدان الصديق ، وتعذّر السلامة على القريب والبعيد ، قال القائل :
كن لثغر البيت حلسا « 3 » * وارض بالوحدة أنسا
واغرس الناس بأرض * الزّهد ما عمّرت غرسا
وليكن يأسك دون * الطمع الكاذب ترسا
لست بالواحد حرّا * أو تردّ اليوم أمسا
ما وجدنا أحدا ساوى * على الخبرة فلسا « 4 »
[ شرط الوجود ]
قال علي بن عبيدة « 5 » : إنه لا دواء لمن لا حياء له ، ولا حياء لمن لا وفاء له ، ولا وفاء لمن لا إخاء له ، ولا إخاء لمن يريد أن يجمع هوى
هامش
( 1 ) ج ق - تشدد .
( 2 ) ج ق - المعاشرة .
( 3 ) الحلس والحلس : الملازم ، يقال : فلان حلس بيته : أي ملازمه لا يبرحه .
( 4 ) الخبرة ( بضم الخاء وكسرها ) : العلم بالشيء .
( 5 ) هو علي بن عبيدة الريحاني أحد البلغاء والفصحاء ، كان له اختصاص بالخليفة المأمون ويسلك في تصنيفاته وتأليفاته مسلك الحكمة ، واتّهم بالزندقة وله مع المأمون أخبار ، ذكر له صاحب الفهرست أكثر من سبعين كتابا . توفي ابن عبيدة سنة 218 ه .