المقامة الخامسة والأربعون وهي الرّمليّة
حكى الحارث بن همام قال : كنت أخذت عن أولي التّجاريب ، أن السّفر مرآة الأعاجيب ، فلم أزل أجوب كلّ تنوفة ، وأقتحم كلّ مخوفة ، حتى اجتلبت كلّ أطروفة :
فمن أحسن ما لمحته ، وأغرب ما استملحته ، أن حضرت قاضي الرّملة ، وكان من أرباب الدّولة والصّولة ، وقد ترافع إليه بال في بال ، وذات جمال في أسمال ، فهمّ الشّيخ بالكلام ، وتبيان المرام ؛ فمنعته الفتاة من الإفصاح ، وخسأته عن النّباح ، ثمّ نضت عنها فضلة الوشاح ، وأنشدته بلسان السّليطة الوقاح .
* * * أولي التجاريب ، أي أصحابها وأهلها . أجوب : أقطع ، تنوفة : قفرة . أقتحم :
أدخل . اجتليت : رأيت . أطروفة : عجيبة . لمحته : نظرته . استملحته : وجدته مليحا .
الصولة : الاستطالة . وقد صال إذا استطال وهدّد . ترافع ، أي تداعى للحكومة ، ورفع كلّ واحد صاحبه . بال : شيخ كبير . في بال : في ثوب خلق . وأسمال ، ثياب خلقة ، واحدها سمل ، وسمل الثوب وأسمل ، ويقال أيضا : ثوب أسمال ، فيوصف بالجمع ، كما يقال :
رمح أقصاد ، وبرمة أعشار . تبيان المرام : تبيين مراده . وإظهار حجته . الإفصاح : التبيين .
خسأته : أبعدته وطردته ، النّباح : الكلام هنا . وخسأ ونبح أصلهما في الكلب ، ويقال :
خسأت الكلب خسئا : طردته وأبعدته ، وخسأ الكلب بنفسه ، أي انخسأ ، يتعدى ولا يتعدّى ، قال تعالى :
اخْسَؤُا فِيها
[ المؤمنون : 108 ] أي تباعدوا تباعد سخط . نضت :
جردت . الوشاح : الحزام ، وهو المنطقة ، الفنجديهي : الوشاح شبه قلادة تنسج من أدم عريضة وترصّع بالجواهر وغيرها ، السّليطة : المستطيلة بلسانها ، الوقاح : التي ليس في وجهها حياء ، فهي تقول ما شاءت . [ السريع ]
* * *
يا قاضي الرّملة يا ذا الذي * في يده التّمرة والجمره
إليك أشكو جور بعلي الّذي * لم يحجج البيت سوى مرّه
وليته لمّا قضى نسكه * وخفّ ظهرا إذ رمى الجمره
كان على رأي أبي يوسف * في صلة الحجّة بالعمرة