إنّ العيون الّتي في طرفها حور * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا « 1 »
يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك له * وهنّ أضعف خلق اللّه أركانا
أتبعتهم مقلة إنسانها غرق * هل ما ترى تارك للعين إنسانا !
ومثل هذا أوجب على الحريري أن يذكر جريرا بالغزل ، وإلا فقد أخذ عليه في ذكر جرير بالغزل ، وإنما الذي اشتهر في زمانه بالغزل مثل عمر بن أبي ربيعة وكثيّر عزة وجميل وقيس بن ذريح وأمثال هؤلاء ، وإنما اشتهر جرير بالمدح والهجو ، ولانطباعه قد جاء في شعره من الغزل الرقيق كثير ، وإن كان تكلّفا إذ لم يعشق . قال الجاحظ : كان الفرزدق مشتهرا بالنساء ، ومع ذلك فليس له بيت واحد في النّسيب ، وكان جرير عفيفا لم يعشق امرأة قط ، ومع ذلك فهو أغزل الناس شعرا .
وسئل الفرزدق عنه فتنفّس حتى كادت حيازيمه تنشق ، ثم قال : قاتلة اللّه ! فما أحسن ناحيته وأشرد قافيته ، واللّه لو تركوه لأبكى الشابّة على أحبابها ، والعجوز على شبابها ، ولسكنهم هزّوه فوجدوه عند الهراش نابحا ، وعند الجراء قارحا ، ولقد قال بيتا ، لأن أكون قلته أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس ، وهو : [ الوافر ]
إذا غضبت عليك بنو تميم * حسبت النّاس كلّهم غضابا
وقال مسعود بن بشر : قلت لابن مناذر : من أشعر الناس ؟ قال : من إذا شئت جدّ ، وإذا شئت لعب ، وإذا شئت أطمعك لعبه ، وإذا رمته بعد عليك ، وإذا جدّ فيما قصد له آيسك من نفسه . قلت : مثل من ، قال : مثل جرير إذ يقول حين لعب : [ الكامل ]
إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا * وشلا بعينك لا يزال معينا « 2 »
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي * ما ذا لقيت من الهوى ولقينا !
ثم قال حين جدّ : [ الكامل ]
إنّ الذي حرم المكارم تغلبا * جعل الخلافة والنبوّة فينا « 3 »
مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم * يا خزر تغلب من أب كأبينا
هذا ابن عمي في دمشق خليفة * لو شئت قادكم إليّ قطينا
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوان جرير ص 163 ، والبيت الأول في شرح شواهد المغني 2 / 712 ، والمقاصد النحوية 3 / 364 ، والمقتضب 2 / 173 .
( 2 ) البيت الأول بلا نسبة في لسان العرب ( وشل ) ، وتاج العروس ( وشل ) ، والبيت الثاني في ديوان جرير ص 386 ، وتاج العروس ( غيض ) ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( غيض ) .
( 3 ) البيت الأول في ديوان جرير ص 387 ، ولسان العرب ( أذن ) ، والبيتان الثاني والثالث في ديوان جرير ص 388 .