لأبي تمّام استخراجات لطيفة ، ومعان ظريفة ، وجيّده أجود من شعر البحتريّ ومن تقدّمه من المحدثين ، وشعر البحتريّ أحسن استواء من شعره ، لأنّ البحتريّ يقول القصيدة كلّها ، فتكون سليمة من طعن طاعن ، وأبو تمام يقول البيت النّادر والبارد ؛ وهذا المعنى كان أعجب إلى الأصمعيّ ، وما أشبّهه إلا بغائص يخرج الدرّة المخشلبة - وهي زجاجة توضع مكان الدّرّة - ثم قال : لأبي تمام والبحتريّ من المحاسن ما لو قيس بأكثر شعر الأوائل ما وجدوا فيه مثله ، ثم قال : والبحتريّ ختم الشعر ، وله بيتان لو وضعا إلى شعر زهير لجازا فيه ؛ وهما : [ الوافر ]
فما سفه السّفيه وإن تعدّى * بأنجع فيك من حلم الحليم « 1 »
متى أحفظت ذا كرم تخطّى * إليك ببعض أفعال اللّئيم
وذكر المبرّد في هذا المجلس شعرا له ، وقدّمه على نظرائه : [ الكامل ]
وإذا ذكرت محاسن ابني صاعد * أدّت إليك مخائل ابني مخلد « 2 »
كالفرقدين إذا تأمّل ناظر * لم يعل موضع فرقد عن فرقد
وقوله : [ الكامل ]
من شاكر عنّي الخليفة للّذي * أولاه من فضل ومن إحسان « 3 »
حتّى لقد أفضلت من إفضاله * ورأيت نهج الجود حيث رآني
وبعدهما : [ الكامل ]
أغنت يداه يدي وشرّد جوده * بخلي ، فأفقرني كما أغناني
وله أيضا في الفتح بن خاقان ، وقد نزل إلى الأسد فقتله : [ الطويل ]
حملت عليه السيف عطفك ما انثنى * ولا يدك ارتدّت ولا حدّه نبا « 4 »
فأحجم لمّا لم يجد فيك مطمعا * وصمّم لما لم يجد عنك مهربا
وله فيه :
وما منع الفتح بن خاقان نيله * ولكنها الأيام تعطى وتحرم « 5 »
سحاب خطاني جوده وهو مسبل * وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا * وموضع رجلي منه أسود مظلم
هامش
( 1 ) ديوان البحتري ص 2079 .
( 2 ) ديوان البحتري ص 541 .
( 3 ) ديوان البحتري ص 2255 .
( 4 ) ديوان البحتري ص 200 ، 201 .
( 5 ) ديوان البحتري ص 1980 .