تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شذرات من كتب مفقودة في التاريخ — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
يشرب إلى العتمة . فلما دخل الليل سكن الرئيس من القلق ونام ، فقال الطبيب لي : قم أقرّ اللّه عينك فقد برئ واطلب شيئا نأكل ، فأكلنا ونمنا عنده وهو نائم نوما طبيعيا ، والطبيب يوصي كلّ من هناك بأن يوقظوه نصف الليل ، ويعلمنا صحة قوله ، فو اللّه لقد نام الجميع إلى السحر فلم يحسوا بشيء إلا بالعليل يصيح بأبي الحسن : يا أبا الحسن - بلسان ثقيل وكلام عليل - فوقعت البشائر ، وانتبهت والطبيب ، فأملى علينا مناما راه فقال : رأيت الشريف المرتضى أبا القاسم الموسوي نقيب العلويين وكان حيا في الوقت - وقد رثى الرئيس بقصيدة عينية لما بلغه وقوع اليأس منه لما كان في نفسه منه ، وكأنه وأولاده وخلقا عظيما قاصدون مقابر قريش ، وقد وقع في نفسي أن القيامة قد قامت ، فعدلت إلى المرتضى وجلست عنده وجاءه أبو عبد اللّه ولده فسارّه بشيء فقال : هاته ، ففلان منّا ، فأحضره جاما حلوا وأكلنا ، ثم نهض فركب وقال : قدموا له ما يركب ، ومضى الناس جميعهم معه حتى لم يبق غيري وأنا أطلب شيئا أركبه فما رأيته ، وسمعت صائحا يصيح ورائي النجاة النجاة ، فأثبتنا المنام وهنّأناه بالسلامة ، وخرج باكرا بنفسه إلى الدار وجلس على سرير في وسطها ، وشرب ماء الشعير بيده كما قال الطبيب ، إلا أنه بقي مدة لا يعرف الدار ويقول : يا أبا الحسن أي دار هذه من دورنا ؟ وأنا أبيّن له وأشرح ، وهو لا يعرف ولا يفهم ولا يتحقق . ووصلنا غدوة تلك الليلة أبو الفتح منصور بن محمد بن المقدّر المتكلم النحوي الأصفهاني متعرفا لأخباره فقال له : رأيت يا سيدنا البارحة في المنام وكأني عابر إليك وأنا مشغول القلب بك إنسانا يقول لي : إلى أين تمضي ؟ فقلت : إلى فلان فهو على صورة من المرض ، فقال لي : قل له اكتب في تاريخك وتقويمك ولد هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ، يومنا ذاك ، وعاش إلى شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ، وتوفي بعده الجماعة التي كانت في تلك الحال من الأصدقاء والأطباء والرؤساء والكبراء والعلماء الذين كانوا متألمين له متحسرين عليه وجلين لمفارقته ، وتوفي المرتضى ورثاه الرئيس أبو الحسين بقصيدة عينية .
شذرات من كتب مفقودة في التاريخ — صفحة 350 | إحسان عباس