أبى عبيدة ، يسمع خلاف ما يقال ، ويكتب خلاف ما يسمع ، ويقرأ خلاف ما يكتب ؛ وكان أعلم الناس باستخراج المعمّى . وكان النّظام على قدرته على أصناف العلوم ، لا يقدر على استخراج أخفّ ما يكون من المعمّى .
وللجاحظ تحامل على مصنّفات الخليل ، ليس هذا موضع ذكره .
ثم استخرج الخليل أيضا اتّفاق الحروف مع النّجم ، فقال : عدد الحروف العربية عدد منازل القمر ، ثمانية وعشرون ، وغاية ما بلغ الكلام إليه مع الزّيادة سبعة على عدد النجوم السّبعة ، وصوّر الزوائد اثنى عشر على عدد البروج ، وأربعة عشر تدغم مع لام التعريف ، مثل منازل القمر التي يسيّرها تحت الأرض ، وأربعة عشر فوقها .
ثم وضع في الشّطرنج جملين في طرفي الرّقعة لعب بها زمانا ، ثم تركت .
ثم أراد أن يخترع شيئا في الحساب فقال : أريد أن أقرّر نوعا من الحساب ، تمضى الجارية بدرهم إلى البيّاع فلا يمكنه ظلمها ، فدخل المسجد وهو يعمل فكره في ذلك ، فصدمته سارية وهو غافل عنها لفكره ، فانقلب على ظهره ، فكان سبب موته .
ومات سنة ستين ومائة ، وكان من العقلاء الزّهّاد .
واجتمع هو وابن المقفّع يتحدّثان إلى الغداة ، فلما تفرّقا قيل للخليل : كيف رأيت ابن المقفع ؟ قال : رأيت رجلا علمه أكثر من عقله ؛ وقيل لابن المقفّع :
كيف رأيت الخليل ؟ قال : رأيت رجلا عقله أكثر من علمه ، فكان كذلك ، أدّى الخليل عقله إلى أن مات زاهدا ، وابن المقفع إلى أن مات قتيلا بسبب كتاب كتبه .
وحكي أن سليمان بن المهلّب بعث إليه يوما بألف دينار ليتجهّز بها ، ويأتيه إلى الأهواز ، فدخل عليه الرسول وهو يبلّ كسرة يابسة ويأكلها ، فردّ
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون — صفحة 269
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٢٦٩