فقال : ولم أسجد ؟ أعلى أن كنت معنا فطرت عنّا ! يعنى بالخلافة ، فقال :
إذا تطير معي ؛ قال : الآن طاب السّجود ، وسجد . وكان كاتب مروان طول خلافته .
وهو أوّل من اتّخذ التحميدات في فصول الكتب ، واستعمل في بعض كتبه الإيجاز البليغ ، وفي بعضها الإسهاب المفرط ، على ما اقتضاه الحال .
فمن الإيجاز أنّ بعض عمّال مروان أهدى إليه عبدا أسود ، فأمره بالإجابة ذامّا مختصرا ، فكتب : لو وجدت لونا شرّا من السّواد ، وعددا أقلّ من الواحد ، لأهديته .
وأما الإسهاب ، فإنّه لما ظهر أبو مسلم الخراسانىّ بدعوة بنى العباس ، كتب إليه عن مروان كتابا يستميله ويضمّنه ما لو قرئ لأوقع الاختلاف بين أصحاب أبي مسلم ؛ وكان من كبر حجمه يحمل على جمل ، ثم قال لمروان :
قد كتبت كتابا متى قرأه بطل تدبيره ، فإن يك ذلك ؛ وإلّا فالهلاك .
فلمّا ورد الكتاب على أبى مسلم لم يقرأه ، وأمر بنار فأحرقه ، وكتب على جريدة « 1 » منه إلى مروان :
محا السّيف أسطار البلاغة وانتحى * عليك ليوث الغاب من كلّ جانب
ولما اشتدّ الطّلب على مروان ، وتتابعت هزائمه المشهورة ، قال لعبد الحميد :
القوم محتاجون إليك لأدبك ، وإنّ إعجابهم بك يدعوهم إلى حسن الظّنّ بك ، فاستأمن إليهم ، وأظهر الغدر بي ، فلعلّك تنفعنى في حياتي أو بعد مماتي ! فقال عبد الحميد :
أسرّ وفاء ثمّ أظهر غدرة * فمن لي بعذر يوسع النّاس ظاهره !
هامش
( 1 ) د ، ط : « جزازة » .