59 - وأعطيت النّظّام أصلا أدرك به الحقائق .
[ النظّام ]
هو إبراهيم بن سيّار بن هانئ البصرىّ ، المعروف بالنظّام ، ويكنى أبا إسحاق . شيخ من كبار المعتزلة وأئمتهم ، متقدّم في العلوم ، شديد الغوص على المعاني ، وإنّما أدّاه إلى المذاهب التي استبشعت منه تدقيقه وغوصه « 1 » ؛ فإنه كان قد اطّلع على كثير من كتب الفلاسفة ، ومال في كلامه إلى الطبعيّين منهم والإلهيّين ، فاستنبط من كلامهم رسائل ومسائل ، وخلطها بكلام المعتزلة ، وانفرد بها عنهم ؛ مثل قوله : إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بالقدرة على الشّرور والمعاصي ؛ خلافا لأصحابه ؛ لأنهم قضوا بأنه قادر عليها ، لكنّه لا يفعلها .
ومثل قوله : إنّ الجوهر مؤلّف من أعراض اجتمعت .
وقوله : إنّ اللّه تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن ، معادن ونباتا ، وحيوانا ، وإنسانا ، ولم يتقدّم خلق آدم على خلق أولاده ، غير أنّ اللّه تعالى أكمن بعضها في بعض ؛ وهذا قول أهل الكون من الفلاسفة .
وقوله في القرآن : إنّ في قوى البشر أن تأتى بمثله ، إلّا أنّ اللّه تعالى صرف أذهانهم عن ذلك .
إلى غير ذلك من مسائله المذكورة في كتب « 2 » الأصوليّين .
ومراد ابن زيدون بالحقائق ، غير ذلك من مسائله الحسنة المعجبة ، فإنّها كثيرة ، وإنّما عدّت سقطات النّظّام لكثرة إصابته .
وكان من صغره يتوقّد ذكاء ، ويتدفّق فصاحة ؛ حكى أن أباه جاء به وهو صغير إلى الخليل بن أحمد ليعلّمه ، فقال له الخليل يمتحنه ، وفي يده قدح زجاج :
هامش
( 1 ) ط ، م : « وتغلغله » .
( 2 ) ت : « كتاب » .