ذنبه رفعه صلبه ، ومن لم تسعه العافية ، لم تضق عنه الهلكة .
وأرجف قوم بموته ؛ فخرج متحاملا حتى صعد المنبر ، فقال : ألا إنّ أهل العراق أهل نفاق ، نفخ الشيطان في مناخرهم ، فقالوا : مات الحجاج ، وإن متّ فمه ! واللّه ما يرجى الخير إلا بعد الموت ، وما رضى اللّه تعالى ذكره بالتخليد لأحد من خلقه إلّا لأخسّهم وأهونهم عليه ، وهو إبليس لعنه اللّه !
ولقد سأل سليمان يوما ربّه ، فقال :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
، « 1 » ففعل ثم اضمحلّ كأن لم يكن ، أستغفر اللّه لأمير المؤمنين ولي وللمسلمين . ثم نزل .
وكتب إلى قتيبة بن مسلم : إنّى نظرت في سنّى ، فإذا أنا قد بلغت خمسين سنة ، وأنت نحو منّى في السنّ ، وإنّ أمرا قد سار خمسين حجّة إلى مورد لقمن أن يرده .
ولما حضرته الوفاة ؛ كان يقول : اللّهمّ اغفر لي فإنّ الناس يزعمون أنك لا تفعل .
ومات بواسط سنة خمس وتسعين . وهي مدينته التي أنشأها . وكان يوم موته يسمّى عرس العراق ، ولم يعلم بموته حتى أشرفت جارية من القصر وهي تبكى وتقول : ألا إن مطعم الطعام ، ومفلّق الهام ، قد مات .
ثم دفن ، فسمع جرّ السلاسل من قبره ، فقال كاتبه : رحمك اللّه أبا محمد ! ما تدع قراءة القرآن حيّا ولا ميّتا . فضحك الناس من قوله .
ووقف رجل من أهل دمشق على قبره ، فقال : اللهمّ لا تحرمنا شفاعة الحجّاج .
وحلف رجل بالطلاق الثلاث [ من زوجته ] « 2 » ، أن الحجّاج من أهل النار ،
هامش
( 1 ) سورة ص 35 .
( 2 ) من ط .