وقد جرت بينه وبين شيخه الشيخ الإمام العارف القطب الكبير الشهير المسلك المربي أبي مدين - رضي اللّه عنهما - مكاتبات ومراسلات فمن ذلك رسالته التي وجه بها إليه وهي : « الحمد للّه الذي تعرّف لخاصته فنعمهم بما أشهدهم من ذلك الجمال ، وتعرّف لعامتهم بنعوته ففهمهم بالصفات والأسماء ، وأذاقهم كأس تطلّب الوصال فغرقوا بها في بحار تكر بهم أمواجها لساحل الكمال وأشهد العامة الأفعال فتعرّف لهم منها ، وخاطبهم مما أشهدهم ، وتعرف لهم منه من حق الأفعال فقال :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
حامية « 1 » ،
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
« 2 » ، وقال :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ
« 3 » . فعمهوا « 4 » في بيداء ذات شعاب وأوحال « 5 » ، بين ماء وتراب وطين وصلصال ، ثم سأل الكلّ عن نفسه ونفسه « 6 » ؛ فاستجاب الكل بكل لسان وكل حال
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
« 7 » ، ثم نكّر نفسه بنفسه ، ووحّد نفسه بنفسه لفعل نفسه ، وتكبر وتعالى عن ذلك كله بقوله :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
« 8 » ، وقوله سبحانه :
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ
قوم « 9 » ، نحمده حمدا يستجيب فيأوى إلى حمده ، ونثني عليه ثناء يقر ويأوي إلى وكره وأصله ، فينبئ كما أنبأ خيرته من خلقه بعد أن عاذ من أنبائه برضاه من سخطه ، وبمعافاته من عقوبته ، وبه منه أثنى على نفسه ، والصلاة على نور البصائر والأبصار وسر السرائر والأسرار ،
هامش
( 1 ) سورة الغاشية ، الآية : 17 .
( 2 ) سورة الأنعام ، الآية : 2 .
( 3 ) سورة الرحمن ، الآية : 14 .
( 4 ) فعمهوا : من عمه عمها وعمهانا وعموهة : تحيّر وتردد في الطريق لم يدر أين يذهب ، وفي الأمر : لم يدر وجه الصواب فيه .
( 5 ) الكلمة ساقطة في النسختين .
( 6 ) في ( ب ) بنفسه .
( 7 ) سورة الرعد ، الآية : 15 .
( 8 ) سورة طه ، الآية : 14 .
( 9 ) سورة الرعد ، الآية : 9 .