وهي من مؤلمات الزمن ، وكلاهما يسمى عند الخصوص ابتلاء ، وفي العموم اصطفاء ، فالعافية عندهم في الأموال والإكثار ، واللجين والنضار ، وإنما العوافي عند الخواص ، أن لا يفرق بين العطاء والفقد ، لا أن يكون أشابة أو من ذوي المجد ، وبالجملة الأمور بيده « 1 » مصدرها وموردها ، ومحكم إمضائها ومسندها ، ولما كنت عام أربعة وسبعمائة رأيت النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - وابتليت ببلية بانت عندي تلك القضية ، اقتديت فاهتديت بقوله - صلّى اللّه عليه وسلم - « نحن - معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ، ثم الأمثل فالأمثل » « 2 » ، بعثت بالرسالة المدبجة التي سميتها بنزهة الأحداق ، وروضة المشتاق « 3 » ، وإن لم أكن منهم ، ولا ممن يصلح للأخذ عنهم ، فالمرء مع من أحبّه « 4 » ، وإن لم أكن مثلهم ؛ فأنا ممن تشبّه ، وهي : « سلام نفحاته غذقة الأزاهير « 5 » ، وصفحاته عبقة الأسارير ، يختص تلك المعالم الأرجة ، ويقتصر تلك الأندية البهجة ، ويتوضع نسيمه تضوع مسك اللطائم « 6 » وينتعل خيمه هام الجوزاء « 7 » لا بل إكليل النعائم من شيق الفؤاد ملتهبه ، خفاق الجنان معذبه يرتاح إذا هبّ نسيم وجده ، فتعرب الزفرات عن أليم وجده ، جنانه عن محكم أشواقه مسند ولسانه عن برح غرامه منشد « 8 » :
نسيم وجد وإن هبت نوافخه * فطيفها لم أزل وهنا أصافحه
مغنى الهوى ومنى الألباب عن بها * معنى يشوقك غاديه ورائحة
كم أقلق شوقه قلق الدوائم ، وأشجاه شجوه شجو الحمائم « 9 » ، وأجرى
هامش
( 1 ) في ( ب ) بيد .
( 2 ) سبق تخريجه .
( 3 ) تندرج هذه الرسالة - كما تقدم - ضمن الرسائل الحجازية أو الحجازيات التي حفل بها الأدب في الغرب الإسلامي والأندلس .
( 4 ) لفت إلى الحديث الشريف الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام « يحشر المرء مع من أحب » .
( 5 ) في « ب » الأزاهر .
( 6 ) اللطائم جمع اللطيمة : وعاء المسك . وفي ( ب ) الطلائع .
( 7 ) الجوزاء برج من بروج السماء .
( 8 ) من البحر البسيط .
( 9 ) شجاه الأمر شجوا : حزنه ، والحديث أطربه ، وشجاه تذكر الألف ، وأشجاه : شجاه .