المنافسين له في المكانة والقوة [ 1 ] .
ولم يكن زواج السلطان طغرلبك من ابنة الخليفة القائم بأمر الله الحادثة الوحيدة في العصر السلجوقي ، بل أعاد السلطان ملكشاه المحاولة ، فأرسل الفقيه النّسوي [ 2 ] إلى بغداد ليخطب له ابنة الخليفة المقتدي بأمر الله ، ولكن الخليفة رفض ، وشجعه الفقيه النّسوي على الرفض لئلا يخلط نسبه الطاهر بالتركمانية [ 3 ] . ولم يوضح لنا الذهبي والسبكي - اللذان أوردا الرواية - رد فعل السلطان على الرفض .
ولم يسكت الخلفاء على تلك الانتهاكات - وإن سلموا على ما يبدو بضرورة التنازل عن سلطتهم الزمنية للسلاطين - وحاولوا التشبث جاهدين بسلطاتهم الدينية ، وبمنع أي محاولة من السلاجقة للاعتداء عليها ، وانتهاز كل فرصة لاستعادة سلطتهم الزمنية .
استمر الخلفاء بالتأكيد على المكانة الدينية للخلافة ، وحاولوا تخليصها مما عراها من الضعف ، وفقدان الهيبة ، فأخذوا يؤكدون على أنهم خلفاء لله تعالى في أرضه [ 4 ] ، وأن الخلافة وراثة للنبوة [ 5 ] ، وأمان للناس من الحوادث والغير [ 6 ] ، وأن « الزمان واقفا عند حدّها في النقض والإبرام ، متصرفا على حكمها في كل ما حاول من حال أو رام ، ومكن لها في الأرض حتى أذلت نواصي الأعداء قهرا وقسرا ، وحسرت عن قناع القدرة على ردّ الطامعين في إدراك مداها ضلعا حسرى ؛ فإن الله تتعالى آلاؤه لم يخلها في كل وقت من قائل في نصرتها فاعل ، وقائم بإقامة حشمتها بين كل حاف من الأنام وناعل ، وراغب في الذب عن حوزتها سرا وجهرا ، وخاطب من خدمتها ما رجا أن يكون رضا الله في المقابلة عنه أغلى مهرا » [ 7 ] . وأن الأقدار الجارية تتصرف على حكمها [ 8 ] .
هامش
( 1 ) ابن العمراني ، الإنباء ، ص 198 .
( 2 ) محمد بن عبد الرحمن بن أحمد النّسوي ( ت 478 ه / 1085 م ) ، فقيه شافعي . انظر : الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج 18 ، ص 477 ، السبكي ، طبقات الشافعية الكبرى ، ج 4 ، ص 175 .
( 3 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج 18 ، ص 478 ، السبكي ، طبقات الشافعية الكبرى ، ج 4 ، ص 176 ، ولم يتنبه الجالودي إلى أنهما حادثتان فجعلهما حادثة واحدة . انظر : الجالودي ، تطور السلطنة ، ص 113 .
( 4 ) رسائل أمين الدولة ، ق 166 ب .
( 5 ) ن . م ، ق 47 ب .
( 6 ) رسائل أمين الدولة ، ق 21 أ .
( 7 ) ن . م ، ق 13 ب ، 14 أ .
( 8 ) ن . م ، ق 27 أ .