الأحكام [ 1 ] ، وهي مشابهة لما أورده الماوردي في أحكامه [ 2 ] .
وإذا كان الخليفة قد اشترط في العهد مثل تلك الشروط ، فإن هذه الفترة قد زخرت بالفقهاء الكبار ، وحظيت المذاهب السنية الثلاثة المنتشرة في المشرق الإسلامي - الحنفي ، الشافعي ، الحنبلي - بمجموعة من أبرز فقهائها ومجتهديها منذ نشوئها ، ولهذا كان لا بد من اختيار قاضي القضاة من كبار الفقهاء لوفرتهم في هذه الفترة [ 3 ] .
وتذكر بعض المصادر أن الخلفاء كانوا يختارون قضاة القضاة بناء على مذاهب وزراء السلاطين ، ففي وزارة الكندري ، وهو حنفي المذهب ، عين فقيه حنفي ، وفي وزارة نظام الملك ، وهو شافعي المذهب ، عين فقيه شافعي [ 4 ] ، إلّا أنني أميل إلى رفض مثل هذه المسألة لأن القضاء من أكثر المؤسسات استقلالية ، ولأن القضاة خلال هذه الفترة لم ينحازوا لصالح السلاطين ، بل على العكس كانوا معارضين لهم ، ولا يقبلون شهادتهم ، ويشنعون عليهم [ 5 ] .
ويتم تولية قاضي القضاة بعهد من الخليفة يحدد له فيه نطاق سلطته ومهامه فجاء في عهد قاضي القضاة « قلده قضاء القضاة بمدينة السلام وسائر البلاد والأمصار شرقا وغربا » [ 6 ] . وبالتالي فإن نطاق سلطته يتضمن جميع القضايا في ديار الإسلام ، ولهذا قام قضاة القضاة بتعيين القضاة في الولايات ، مثلما فعل الدّامغاني عندما عين قاضي حلب سنة 473 ه / 1080 م ، وكذلك فعل ابنه عندما عين قاضيها في سنة 496 ه / 1102 م [ 7 ] .
ومما تضمنه العهد أيضا مهام قاضي القضاة ، ومن أهمها : توفير العدالة للجميع بصرف النظر عن المكانة والنفوذ « غير مفضل لمن جلّ منهم على من قلّ . . . ولا يتأخر
هامش
( 1 ) ابن الجوزي ، المنتظم ، ج 16 ، ص 241 ، ج 17 ، ص 27 ، ابن الأثير ، الكامل ، ج 10 ، ص 146 ، 253 .
( 2 ) رسائل أمين الدولة ، ق 153 ب .
( 3 ) الماوردي ، الأحكام السلطانية ، ص 130 .
( 4 ) انظر : الحنفي ، الجواهر المضيئة ، السبكي ، طبقات الشافعية ، ج 4 ، ج 5 ، ابن رجب الحنبلي ، ذيل طبقات الحنابلة ، ج 1 .
( 5 ) ابن الجوزي ، المنتظم ، ج 16 ، ص 251 ، سبط ابن الجوزي ، مرآة الزمان ( 440 - 490 ه ) ، ص 438 .
( 6 ) ابن الجوزي ، المنتظم ، ج 17 ، ص 29 ، ابن الأثير ، الكامل ، ج 10 ، ص 253 ، سبط ابن الجوزي ، مرآة الزمان ( 440 - 490 ه ) ، ص 515 .