وذلك في الهيّنات ، وتجاف له عن بعض غفلاته تسلم لك ناحيته . وبحسب ذلك فكن في زيارته ، فإنّ الإلحاح في الزّيارة يذهب بالبهاء ، وربّما أورث الملالة ؛ وطول الهجران يعقب الجفوة ، ويحلّ عقدة الإخاء ، ويجعل صاحبه مدرجة للقطيعة وقد قال الشاعر :
إذا ما شئت أن تسلى حبيبا * فأكثر دونه عدد اللّيالي
فما يسلي حبيبك مثل نأي * ولا يبلي جديدك كابتذال
[ وزر غبّا إذا أحببت خلا * فتحظى بالوداد مع اتصال ]
واقتصد في مزاحك ؛ فإنّ الإفراط فيه يذهب بالبهاء ، ويجرّئ عليك أهل الدّناءة . وإنّ التقصير فيه يقبض عنك المؤانسين . فإن مزحت فلا تمزح بالذي يسوء معاشريك .
وأنا أوصيك بخلق قلّ من رأيته يتخلّق به ، وذاك أنّ محمله شديد ، ومرتقاه صعب ، وبسبب ذلك يورث الشّرف وحميد الذّكر : ألّا يحدث لك انحطاط من حطّت الدّنيا من إخوانك استهانة به ، ولا لحقّه إضاعة ، ولما كنت تعلم من قدره استصغارا ؛ بل إن زرته قليلا كان أشرف لك ، وأعطف للقلوب عليك . ولا يحدث لك ارتفاع من رفعت الدنيا منهم تذلّلا وإيثارا له على نظرائه في الحفظ والإكرام ؛ بل لو انقبضت عنه كان مادحك أكثر من ذامّك ، وكان هو أولى بالتعطّف عليك ، إلّا أن يكون مسلّطا تخاف شداه ومعرّته ، وترجو عنده جرّ منفعة لصديق ، أو دفع مضرّة عنه ، أو كبتا لعدو وإنزال هوان به ؛ فإنّ السّلطان وخيلاءه وزهوه يحتمل فيه ما لا يجوز في غيره ، ويعذر فيه ما لا يعذر في سواه .
[ 16 - امتداح الذات ]
واعلم أنّ نشر محاسنك لا يليق بك ، ولا يقبل منك إلّا إذا كان القول لها على ألسن أهل المروءات ، وذوي الصّدق والوفاء ، ومن ينجع قوله في القلوب