تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧

[ 1 - موضوع الكتاب ]

أمّا بعد فإنّي قد تصفّحت أخلاقك ، وتدبّرت أعراقك ، وتأمّلت شيمك ، ووزنتك فعرفت مقدارك ، وقوّمتك فعلمت قيمتك ، فوجدتك قد ناهزت الكمال ، وأوفيت على التّمام ، وتوقّلت في درج الفضائل ، وكدت تكون منقطع القرين ، وقاربت أن تلفى عديم النّظير ، لا يطمع فضل أن يفوتك ، ولا يأنف شريف أن يقصر دونك ، ولا يخشع عالم أن يأخذ عنك . ووجدتك في خلال ذلك على سبيل تضييع وإهمال لأمرين : هما القطب الذي عليه مقار الفضائل ، فكنت أحقّ بالعدل ، وأقمن بالتأنيب ممن لم يسبق شأوك ، ولم يتسنّم رتبتك ، لأنه ليس ملوما على تضييع القليل من قد أضاع الكثير ، ولا يسام إصلاح يومه وتقويم ساعته من قد استحوذ الفساد على دهره ، ولا يحاسب على الزّلّة الواحدة من لا يعدم منه الزلل والعثار ، ولا ينكر المنكر على من ليس من أهل المعروف ، لأنّ المنكر إذا كثر صار معروفا ، وإذا صار المنكر معروفا صار المعروف منكرا . وكيف يعجب ممن أمره كلّه عجب ، وإنّما الإنكار والتعجّب ممن خرج
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 87 | الجاحظ / علي أبو ملحم