صلاح الدّين والدّنيا إنّما يعتدل في نصابه ، ويقوم على أساسه بالكتاب والحساب .
وليس علينا لأحد في ذلك من المنّة بعد اللّه الذي اخترع ذلك لنا ودلّنا عليه ، وأخذ بنواصينا إليه ، ما للمعلمين الذين سخّرهم لنا ، ووصل حاجتهم إلى ما في أيدينا . وهؤلاء هم الذين هجوتهم وشكوتهم وحاججتهم وفحشت عليهم ، وألزمت الأكابر ذنب الأصاغر ، وحكمت على المجتهدين بتفريط المقصّرين ، ورثيت لآباء الصّبيان من إبطاء المعلّمين عن تحذيقهم ، ولم ترث للمعلّمين من إبطاء الصّبيان عمّا يراد بهم ، وبعدهم عن صرف القلوب لما يحفظونه ويدرسونه ، والمعلّمون أشقى بالصّبيان من رعاة الضّان وروّاض المهارة .
ولو نظرت من جهة النظر علمت أنّ النعمة فيهم عظيمة سابغة ، والشكر عليها لازم واجب .
[ 3 - الحفظ والاستنباط ]
فصل منه : وأجمعوا على أنّهم لم يجدوا كلمة أقلّ حرفا ولا أكثر ريعا ، ولا أعمّ نفعا ، ولا أحثّ على بيان ، ولا أدعى إلى تبيّن ، ولا أهجى لمن ترك التفهّم وقصّر في الإفهام ، من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليه :
« قيمة كلّ امرئ ما يحسن » .
وقد أحسن من قال : « مذاكرة الرّجال تلقيح لألبابها » .
وكرهت الحكماء الرؤساء ، أصحاب الاستنباط والتفكير ، جودة الحفظ ، لمكان الاتّكال عليه ، وإغفال العقل من التمييز ، حتّى قالوا : « الحفظ عذق الذّهن » . ولأنّ مستعمل الحفظ لا يكون إلّا مقلّدا ، والاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى برد اليقين ، وعزّ الثقة .
والقضيّة الصحيحة والحكم المحمود : أنّه متى أدام الحفظ أضرّ ذلك بالاستنباط ، ومتى أدام الاستنباط أضرّ ذلك بالحفظ ، وإن كان الحفظ أشرف