« فقال : يا أبت ، امنت باللّه وبرسول اللّه ، وصدّقته بما جاء به ، وصلّيت معه للّه ، واتّبعته » .
« فقال له : أما أنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه » « 61 » .
وهكذا بدأت المسيرة ، وهكذا أحيطت بالسرّ والاستخفاء والتكتّم الشديد .
وبعد ثلاث سنين من البعثة الشريفة أمر اللّه تعالى نبيّه « أن يصدع بما جاءه منه ، وأن يبادي الناس بأمره ويدعو إليه ، فقال له :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
وأنزل عليه :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
» « 62 » .
فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عشيرته الأقربين تنفيذا لأمر اللّه تعالى ، فحضروا « فكانوا خمسة وأربعين رجلا ، فبادره أبو لهب وقال : هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك ، فتكلّم ودع الصّباة ، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة ، وان أحقّ من أخذك فحبسك بنو أبيك إن أقمت على ما أنت عليه ، فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب ، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشرّ مما جئتهم به ، فسكت رسول اللّه - ص - ولم يتكلم في ذلك المجلس » « 63 » .
ثم دعاهم ثانية وخطب فيهم خطبة طويلة جاء فيها :
« الحمد للّه أحمده وأستعينه ، وأؤمن به وأتوكل عليه ، وأشهد ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له . ثم قال : إن الرائد لا يكذب أهله ، واللّه الذي لا إله إلا هو أني رسول اللّه إليكم خاصة وإلى الناس عامة ، واللّه لتموتن كما تنامون ولتبعثنّ كما تستيقظون ، ولتحاسبنّ بما تعملون ، وإنها الجنة أبدا والنار أبدا » .
هامش
( 61 ) سيرة ابن هشام : 1 / 263 - 264 وتأريخ الطبري : 2 / 313 - 314 وشرح نهج البلاغة : 14 / 52 - 53 .
( 62 ) تأريخ الطبري : 2 / 318 .
( 63 ) الكامل : 2 / 40 .