عليها في اليقظة من الخوف والحزن والغم والحسرة من بأس عدو وفتكه « 1 » ونقص مال وفقه وغيبة حبيب وموته وخسران حظ وفوته وأمثالها مما تنزجر به النفس وتتألم ويعذب به الروح ويهتم ويتكدر به العيش الرغيد ، ويضيق على الإنسان رحاب الفيافيد « 2 » قال اللّه تعالى :
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ
« 3 » أي بعد غم الهزيمة في غزوة أحد .
قال النيسابوري قال أبو طلحة : غشانا النعاس ، ونحن في مصافنا فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أخذ إلا ويميل تحت حجفته « 4 » وعن الزبير كنت مع الرسول ( ص ) حين اشتد الخوف فأرسل اللّه علينا النوم ؛ واللّه إني لأسمع قول معقب بن قشر والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء وما قتلنا هيهنا .
وعن ابن مسعود النعاس في القتال آمنة ، والنعاس في الصلاة من الشيطان ، وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق باللّه ، والفراغ عن الدنيا ، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد من اللّه ، وكان في ذلك النعاس فوائد منها : أن شموله للمؤمنين كلهم لا في وقت المعتاد معجزة ظاهرة جديدة له ( ص ) موجبة لزيادة وثوقهم بأن اللّه ينجز وعده وينصرهم فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد ، ومنها : أن الأرق والسهر « 5 » يوجبان الفتور والكلال ، والنعاس يجدد القوة والنشاط ، ومنها : شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة ، ومنها : أن الأعداء كانوا حراصا في قتلهم فبقائهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ اللّه وكلائته معهم .
هامش
( 1 ) فتك بفلان فتكا : بطش به أو قتله على غفلة .
( 2 ) كذا في الأصل وأنّا لم نظفر في الكتب التي عندنا من اللغة على هذه اللفظة والمظنون أنها تصحيف الفيافي كصحارى لفظا ومعنى . الرحاب بالكسر : جمع الرحبة وهي الأرض الواسعة .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : ( 154 ) .
( 4 ) الحجفة بالحاء المهملة فالجيم المفتوحتين : الترس من جلد بلا خشب .
( 5 ) الأرق بالتحريك : السهر .