تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم المعاجم — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
تلميذ الخليل والذي يقول عنه أبو منصور الأزهري في مقدمة التهذيب : « وإذ فرغنا من ذكر الأثبات المتقنين ، والثقات المبرزين من اللغويين ، إعلاما لمن غبي عليه مكانهم من المعرفة كي يعتمدوهم فيما يجدون لهم من المؤلفات المروية عنهم فلنذكر بعقب ذكرهم أقواما اتسموا بسمة المعرفة وعلم اللغة ، وألّفوا كتبا أودعوها الصحيح والسقيم ، وحشوها بالمزال المفسد ، والمصحف المغير الذي لا يتميز ما يصح منه إلا عند النّقاب المبرز ، والعالم الفطن ، لنحذر الأغمار اعتماد ما دونوا ، والاستنامة إلى ما ألّفوا . فمن المتقدمين الليث بن المظفر الذي نحل الخليل بن أحمد تأليف كتاب العين جملة لينفقه باسمه ، ويرغب فيه من حوله . وأثبت لنا عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي الفقيه أنه قال : كان الليث بن المظفر رجلا صالحا ، ومات الخليل ولم يفرغ من كتاب العين ، فأحب الليث أن ينفق الكتاب كله فسمى لسانه الخليل ، فإذا رأيت في الكتاب سألت الخليل بن أحمد ، أو أخبرني الخليل بن أحمد ، فإنه يعني الخليل نفسه ، وإذا قال : قال الخليل فإنما يعني لسان نفسه ، قال : وإنما وقع الاضطراب في الكتاب من قبل خليل الليث . قلت : وهذا صحيح عن إسحاق رواه الثقات عنه » . وينساق مع هذا الخبر في دلالته ما جاء به ياقوت في الإرشاد ( ج 17 ، ص 52 ) وهو يترجم الليث هذا فقال : « حدث أبو الحسن علي بن مهدي الكسروي ، حدّثني محمد بن منصور المعروف بالراح المحدّث قال : قال الليث بن المظفر بن نصر بن سيار : كنت أصير إلى الخليل بن أحمد فقال لي يوما : لو أن إنسانا قصد وألّف حروف : أب ت ث على ما أمثله لاستوعب في ذلك جميع كلام العرب وتهيأ له أصل لا يخرج منه شيء البتة ، فقلت له : وكيف يكون ذلك ؟ قال : يؤلفه على الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي ، فإنه ليس يعرف في كلام العرب أكثر منه . قال الليث : فجعلت أستفهمه ويصف لي ولا أقف على ما يصف ، فاختلفت إليه في هذا المعنى أياما ، ثم اعتل وحججت فما زلت مشفقا عليه ، وخشيت أن يموت في علته فيبطل ما كان يشرحه لي ، فرجعت من الحج وصرت إليه ، فإذا هو قد ألّف الحروف كلها على ما هي عليه في الكتاب ، وكان يملي علي ما يحفظ ، وما شك فيه يقول لي : سل عنه ، فإذا صح فأثبته إلى أن عملت الكتاب » . لقد شهد الليث هنا على نفسه بلسانه أنه الذي عمل الكتاب . وثمة حكاية في شأن الليث مع العين هي أشبه بالقصص منها بالتاريخ وهي ما يرويه لنا ابن المعتز في طبقات الشعراء ( ص 96 - 98 ) فيقول : « حدّثني أبو العباس أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن جعفر قال : حدّثني الحسن بن المهلبي قال : كان الخليل بن أحمد منقطعا إلى الليث بن نصر بن سيار ، وكان الليث من أكتب الناس في زمانه ، وكان بارع الأدب بصيرا بالنحو والشعر والغريب ، وكان يكتب للبرامكة ، ويطير معهم في دولتهم بجناحين ، وكانوا به معجبين ، فارتحل إليه الخليل بن أحمد ، فلما عاشره وجده بحرا ، فأجزل له وأغناه ، وأحب الخليل أن يهدي إليه هدية تليق به ، فأقبل وأدبر ، وعلم أن المال والأثاث لا يقع منه موقعا حسنا لوجود ذلك عنده ، وكثرته لديه ، وأنه لا يسر بشيء سروره بمعنى لطيف من الأدب ، فجهد نفسه في تصنيف كتاب العين ، فصنفه لليث بن نصر دون سائر الناس ، ونمقه وحبره ، وأخرجه في أسرى ظرف وأحسن خط ، فوقع منه موقعا عظيما ، وسر به سرورا شديدا ، فوصله بمائة ألف درهم ، واعتذر إليه من التقصير ، وأقبل ينظر فيه ليلا ونهارا ، ولا يمل منه ولا يفتر ، وكان يغدو ويروح على البرامكة فكأنه على الرضف حتى يرجع إلى الكتاب وينظر فيه ، إلى أن حفظ نصف الكتاب ، وكانت تحته بنت عم له ، وكانت سرية نبيلة موسرة جميلة ، وكانت تهوى ابن عمها وتجلّه ، فاشترى الليث جارية نفيسة فائقة الجمال بثمن جزيل فأقعدها في منزل صديق له يتسرى