وآله وسلم : « لا تسبُّوا الدَّهْرَ فإنَّ اللَّهَ هُوَ الدّهر » .
فقال أبو عبيد : معناه أنّ العربَ كانوا إِذا أصابتْهم المصائبُ قالوا : أبادَنَا الدّهرُ ، وأتَى علينا الدّهر .
وقد ذكروا ذلك في أشعارهم . قال عمرو الضُّبَعِىّ « 1 » :
رَمَتْنِى بناتُ الدَّهرِ من حيثُ لا أَرَى * فكيفَ بمن يُرمَى وليس بِرَامِ
فلو أنَّنِى أُرَمى بنَبْلٍ تَقَيْتُها * ولكنَّنى أُرَمى بغير سِهامِ
وقال آخر « 2 » :
فاستأثرَ الدّهرُ الغَدَاةَ بهمْ * والدّهرُ يرمِينِى وما أَرْمِى
يا دهرُ قد أكثَرْتَ فَجْعَتَنَا * بسَرَاتنا ووقَرْتَ في العَظْمِ « 3 »
وسلَبْتَنَا ما لستَ تُعْقِبُنا * يا دَهرُ ما أنصفْتَ في الحُكْمِ
فأعلَمَ رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ، أن الذي يفعل ذلك بهم هو اللَّه جلّ ثناؤُه ، وأنّ الدّهرَ لا فِعلَ له ، وأنّ مَن سَبَّ فاعِلَ ذلك فكأنّه قد سَبَّ ربّه ، تبارك وتعالى عمّا يقول الظالمون عُلُوًّا كبيراً .
وقد يحتمل قياساً أن يكون الدَّهرُ اسماً مأخوذاً من الفِعْل ، وهو الغَلَبة ، كما يقال رجل صَوْمٌ وفِطرٌ ، فمعنى لا تسبُّوا الدَّهْرَ ، أي الغالبَ الذي يقهركم ويغلِبُكم على أموركم .
ويقال دَهْرٌ دَهِيرٌ ، كما يقال أبدٌ أبِيدٌ . وفي كتاب العين : دَهَرَهُم أمْرٌ ،
هامش
( 1 ) في الأصل : « الضائع » ، وإنما هو عمرو بن قميئة بن سعد بن مالك بن ضبيعة . انظر المعمرين 62 ، 89 ومعجم المرزباني 200 والخزانة ( 1 : 338 ) حيث أنشد الشعر له .
( 2 ) هو الأعشى . انظر ملحقات ديوانه 258 واللسان ( وقر ) .
( 3 ) في الأصل : « وقد قرت » ، تحريف .