تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
العقوبة ما قَدَرْناه . و قال أبو الهيثم : رُوِي أنَّه
ذَهَبَ مُغاضِباً
لقومه ، ورُوي أنَّه
ذَهَبَ مُغاضِباً
لربه ، فأمَّا من اعتقد أنّ يونُس ظن أن لن يَقدِر اللَّه عليه فهو كافر ، لأنّ من ظنّ ذلك غيرُ مؤمن ، ويونس رسولٌ لا يجوز ذلك الظنُّ عليه . قال : والمعنى :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ
عَلَيْهِ العقوبةَ . قال : ويحتمل أن يكون تفسيره فظنَّ أن لن نضيّق عليه من قوله جل وعزّ :
وَمَنْ قُدِرَ
عَلَيْهِ رِزْقُهُ [ الطلاق : 7 ] ، أي : من ضيِّق عليه . وكذلك قوله :
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ
عَلَيْهِ رِزْقَهُ [ الفجر : 16 ] ، معنى : فقدر : فضيَّقَ عليه ، وقد ضَيق اللَّه جلّ وعزّ على يونس أشدّ التضييق على معذَّبٍ في الدنيا ، لأنَّه سَجَنه في بطن الحوت فصار مكظوماً ، أُخِذ في بطنه بكظمه . وسمعتُ المنذري يقول : أفادني ابنُ اليزيدي عن أبي حاتم في قوله :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ
عَلَيْهِ ، أي : لن نضيّق عليه . قال : ولم يدر الأخفشُ ما معنى
( نَقْدِرَ
) ، وذهب إلى موضع القُدرة ، إلى معنى فظنّ أن يفوَّتنا ولم يَعلَم كلامَ العرب حتَّى قال : إنَّ بعض المفسرين قال : أراد الاستفهام أفظَنَّ أن لن نقدر عليه ، ولو علم أنّ معنى
نَقْدِرَ
: نُضيِّق ، لم يَخْبِط هذا الخَبْط ولم يكن عالماً بكلام العرب ، وكان عالماً بقياس النحو . قال : وقوله :
وَمَنْ قُدِرَ
عَلَيْهِ رِزْقُهُ [ الطلاق : 7 ] ، أي : ضيِّق عليه ، وكذلك قوله :
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ
عَلَيْهِ رِزْقَهُ [ الفجر : 16 ] ، أي : ضيَّق . وأما قوله جل وعز :
فَقَدَرْنا
فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) [ المرسلات : 23 ] . فإنّ الفراء قال : قرأها على ( فقدَّرنا ) وخففها عاصم ، ولا تُبعدنَّ أن يكون المعنى في التخفيف والتشديد واحداً ، لأنَّ العرب تقول : قُدِّر عليه الموت وقُدر عليه الموتُ ، وقُدِّرَ عليه رزقُه وقدِر . قال : واحتجّ الذين خفّفوا فقالوا : لو كانت كذلك لقال : ( فنعم المقدّرون ) . وقد تجمع العرب بين اللغتين . قال اللَّه جل وعز :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ( 17 )
[ الطارق : 17 ] . وقال أبو إسحاق في قوله تعالى :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ
عَلَيْهِ [ الأنبياء : 87 ] ، أي : ظَنّ أنْ لن نقدِّر عليه ما قدرنا من كونه في بطن الحوت . قال : ونقدِر بمعنى نقدِّر . وقد جاء هذا التفسير . قلت : وهذا الذي قاله أبو إسحاق صحيح ، والمعنى : ما قدّره اللَّه عليه من التضييق في بطن الحوت ، ويكون المعنى :