بالأمر والنهي والحلال والحرام ، ثم فُصلت بالوعد والوعيد ، والمعنى واللَّه أعلم أن آياته أُحْكِمَت وفُصِّلت بجميع ما يُحتاج إليه من الدّلالة على توحيد اللَّه وتثبيت نُبُوّة الأنبياء وشرائع الإسلام ، والدليلُ على ذلك قول اللَّه جلّ وعزّ :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعَام : 38 ] .
وقال بعضهم : الحكيم في قول اللَّه :
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ
[ يُونس : 1 ] إنّه فَعِيل بمعنى مُفْعَل واسْتَدل بقوله جلّ وعزّ :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ
آياتُهُ .
قلت : وهذا إن شاء اللَّه كما قيل : والقرآن يُوضِّح بعضُه بعضاً ، وإنما جَوَّزنَا ذلك وصوبناه : لأن حَكَمْتُ يكون بمعنى أَحْكَمْت فرُدَّ إلى الأصل واللَّه أعلم .
وروى شمر عن أبي سعيد الضَّرير أنه قال في
قول النَّخَعِيِّ : حَكِّم اليتيم كما تُحَكِّم ولدَك
معناه حَكِّمْه في ماله ومِلْكهِ إذا صَلَح كما تُحَكِّم ولدَك في مِلْكه .
قال : ولا يكون حَكَّم بمعنى أحكم لأنهما ضدَّان .
قلت : والقول ما قال أبو عُبيد ، وقول الضرير ليس بالمَرْضِيّ .
وأما قولُ النابغة :
* واحكم كحكم فتاةِ الحَيِّ *
فإن يعقوب بن السِّكِّيت حكى عن الرُّواة أن معناه كُنْ حَكِيماً كفتاة الحَيِّ أي إذا قُلت فأَصِبْ كما أصابت هذه المرأةُ إذْ نظرتْ إلى الحمَام فأَحْصَتْها ولم تُخْطِىء في عَدَدها .
قال : ويَدُلّك على أن معنى احكم أي كُن حكيماً قولُ النَّمِر بن تَوْلَب :
وأبغِضْ بغِيضَك بُغْضاً رُوَيداً * إذا أنت حاولت أن تَحْكُما
يريد إذا أردت أن تكون حكيما فكن كذا وليس من الحُكم في القضاء في شيء .
وقال الليث : يقال للرجل إذا كان حكيما :
قد أَحْكَمَتْه التجارب .
قال : واسْتَحْكَمَ فُلانٌ في مال فلان إذا جَاز فيه حُكْمه . والاسم الحُكومة والأُحْكُومةُ وأنشد :
ولَمِثلُ الذي جَمَعت لريبِ الده * ر يأبى حكومةَ المُقتالِ
أي يأبى حُكومةَ المُحْتكِم عليك وهو المُقْتَال .
قلت : ومعنى الحُكومة في أَرْش الجراحات التي ليس فيها دِيَةٌ معلومة أن يُجْرحَ الإنسانُ في موضع من بدنه بما يبقى شَيْنُه ولا يُبطِل العُضوَ فيقتاسُ الحاكم أرْشَه بأن يقول : هذا المجروح لو كان عبداً غير مَشِين هذا الشَّيْنَ بهذه الجراحة كان قيمته ألفَ درهم ، وهو مع هذا الشَّيْن قِيمَتُه تِسْعُ مائة درهم ، فقد نقصه الشَّيْنُ عُشْرَ قيمته فيجبُ على الجارح في الحُرّ عُشرُ دِيَتِه . وهذا وما أشبهه معنى الحُكومة التي يستعملها الفُقَهاءُ في أرش الجِراحات فاعْلَمه .
وقال الليث : التَّحكيمُ : قول الحَرُورِيَّة لا حُكْمَ إلا للَّه ولا حَكَمَ إلا اللَّه . ويقال :