وفي هذه الأقوال ما يلقي ضوءا واضحا على المنهج العام الذي التزمه في صنع الكتاب .
مقدمة التهذيب :
تعد مقدمة التهذيب من أهم الوثائق في تأريخ التأليف اللغوي وتأريخ المدارس اللغوية الأولى .
فقد بين في صدرها أن الصحابة لم يكونوا بحاجة إلى تعلم اللغة ؛ إذ كان رسول اللَّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبين للمخاطبين من أصحابه مجمل الكتاب وغامضه ومتشابهه .
ثم ذكر أن الحاجة قد أدركت من بعد الصحابة ، ليعرفوا ضروب خطاب السنة ، ومعرفة السنة المبينة لجمل التنزيل .
وعقد فصلا لبيان فضل اللسان العربي واتساعه ، فهو أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا . واللغة لا يحيط بها إلا نبي . واستشهد لذلك بكلام طويل للشافعي فيه : « وما نعلم أحدا يحيط بجميعها غير نبي » .
الدافع له إلى تأليف هذا الكتاب :
وفي هذه المقدمة بين الأزهري أن الدافع له إلى تأليف هذا الكتاب الذي قصد به معرفة معاني القرآن وألفاظ السنة ، خلال ثلاث :
1 - حرصه على تقييد النصوص التي حفظها ووعاها من أفواه العرب الذين شاهدهم وأقام بين ظهرانيهم سنيات أيام الأسر . وهذه ميزة للتوثيق اللغوي لا يقوم إزاءها الأخذ عن العلماء .
2 - حرصه على أداء النصيحة الواجبة على أهل العلم لجماعة المسلمين ، عملا
بالحديث النبوي الكريم : « ألا إن الدين النصيحة للَّه ولكتابه ، ولأئمة المسلمين ولعامتهم »
. 3 - ما لحظه في الكتب التي ألفت في اللغة من دخل وعوار لا يفطن له أبناء زمانه الذين لا يميزون الصحيح من السقيم .
هذه الحوافز مجتمعة دفعته إلى أن يفكر في « تهذيب اللغة » ، ويدلّ على التصحيف الواقع في تلك الكتب ، والتفسير المزال عن وجهه .