و
قال إسحاق بن منصور : قلت لأحمد بن حنبل : مَن العاقلة ؟ فقال : القبيلة ، إلَّا أنَّهم يُحمَّلون بقدر ما لا يطيقون ، فإن لم تكن عاقلة لم يُجعَل في مال الجاني ولكن يُهدر عنه . وقال إسحاق : إذا لم تكن العاقلة أصلًا فإنه يكون في بيت المال ولا تُهدر الديةَ .
قلت : والعَقْل في كلام العرب : الدِّية ، سميت عَقلًا لأن الديَة كانت عند العرب في الجاهلية إبِلًا ، وكانت أموالَ القوم التي يرقئون بها الدماء ، فسمِّيت الدية عَقْلًا لأنّ القاتل كان يكلَّف أن يسوق إبل الدية إلى فِنَاء ورثة المقتول ، ثم يعقلها بالعُقُل ويسلمها إلى أوليائه . وأصل العقل مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلًا ، والعِقال : حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشدُّ به .
و
قضى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في دية الخطأ المحض وبشِبه العمد أن يغرمَها عَصَبةُ القاتل ويُخرج منها ولده وأبوه
فأمّا دية الخطأ المحض فإنها تقسم أخماساً :
عشرين بنتَ مخاض ، وعشرين بنت لبون ، وعشرين ابن لبون ، وعشرين حِقّة ، وعشرين جذعة . وأما دية شبه العمد فإنَّها تغَلّظ ، وهي مائة بعير أيضاً ، منها ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون ما بين ثنية إلى بازلِ عامِها ، كلُّها خَلِفة فعصبة القاتل إن كان القتل خطأ محضاً غرِموا الدية لأولياء القتيل أخماساً كما وصفت ، وإن كان القتْل شبه العمد غَرِموها مغلَّظة كما وصفت في ثلاث سنين ، وهو العَقْل ، وهم العاقلة .
ويقال عقلتُ فلاناً ، إذا أعطيت ديتَه ورثتَه . وعقلتُ عن فلان ، إذا لزمتْه جنايةٌ فغرِمتَ ديتَها عنه . وهذا كلام العرب .
و
روي عن الشعبي أنه قال : « لا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صُلحاً ولا اعترافاً »
. المعنى أنّ القتل إذا كان عمداً محضاً لم تلزم الديةُ عاقلة القاتل ؛ وكذلك إنْ صُولح الجاني من الدية على مالٍ بإقرار منه لم يلزم عاقلتَه ما صُولح عليه .
وإذا جنى عبد لرجلٍ حرّ على إنسان جناية خطأً لم تغرم عاقلةُ مولاه جناية العبد ، ولكنه يقال لسيّده : إمّا أن تسلّمه برمّته إلى وليّ المقتول أو تفديه بمالٍ يؤدّيه من عنده . وقيل معنى قوله : « لا تعقل العاقلة عبداً » أن يجني حرٌّ على عبدٍ جناية خطأ فلا يغرم عاقلةُ الجاني ثمنَ العبد . وهذا أشبه بالمعنى .
ورواه بعضهم : « لا تعقل العاقلة العَمْد ولا العبد » .
و
قال سعيد بن المسيب في تابعِيه من أهل المدينة : المرأة تُعاقل الرجل إلى ثلث ديتها ، فإذا جازت الثلث رُدّت إلى نصف دية الرجل .
ومعناه أنّ دية المرأة في أصل شريعة الإسلام على النصف من دية الرجل ، كما أنها ترث نصفَ ما يرث الذكر ، فجعلها سعيد بن المسيب جراحَها مساويةً جراحَ الذَّكر فيما دون ثلث الدية ، تأخذ كما يأخذ الرجل إذا جُنِي عليه ، فلها في إصبع من أصابعها عشر من الإبل كإصبع الرَّجل ، وفي إصبعين من أصابعها عشرون من الإبل ، وفي ثلاث أصابع
تهذيب اللغة — صفحة 159
مساهمون: أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
ص١٥٩