تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضياء الخافقين — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
قليلة العدد من بينهم تيسر لها أن تسودهم مدة من الزمن وتتقدم عليهم وتدير شؤونهم ببركة اتحادها وعدم تنافرها فكان المصريون متيقظين لحسدها نائمين عن بلوغ مرتبتها وسلوك الطريق التي أوصلتها لذلك ، مع أن أفرادها ليسوا بأكثر استعدادا منّا ولا أرقى درجة في التهذيب من عموم المصريين . وإلا فما دام المصريون غافلين عن سلوك هذا الطريق الذي يحفظ لهم حرّيتهم ويضمن لهم دوام الترقي في نظام الهيئة الاجتماعية فليس من مصلحتهم اليوم أن تنجلي العساكر الإنجليزية وهم بهذه الحالة ليعودوا فريسة لمثل الأحوال الماضية . وصراخهم اليوم لطلب الجلاء لا يفيدهم شيئاً البتة لأن أمر الجلاء معلق على مجرى السياسة العمومية وسياسة الدولة العلية صاحبة الشأن مع الدول وليس ذلك بأيدي المصريين ولا يؤثر كلامهم وطعنهم في الإنجليز بشيء سوى وقوع النفرة والبغضاء بين الفريقين على غير طائل ، بل اللازم في هذه الحالة أن ننتظر الحوادث ونلتفت إلى إتمام الإصلاح بإرشاد الإنجليز إلى طرقه باللين والرفق ومعاونتهم عليه . أما إذا كان المقصود من هذا الصياح رفع الإنجليز عما يتوجسه المصريون من دوام احتلالهم لهذه البلاد فهذا ليس بدافع لهم أيضا ولا مؤثر فيهم . وإنما الدواء الوحيد لدينا في كلتا الحالتين أن نكون يداً واحدةً متحدين متعاونين في كل أمورنا نابذين لسفاسف الأمور التي يتولد منها الحقد والحسد ، فإذا تم لنا هذا كان ذلك في يدنا سلاحاً نحفظ به حريتنا إن خرجت الإنجليز وندفع به أطماعها وأغراضها ونكون سدّا أمامها إن حاولت غيرما تجاهر به وأبطنت خلاف ما تظهره ورامت الاستيلاء على هذه البلاد . هذا هو الذي ينبغي علينا الالتفات إليه والنظر نحوه لا أننا نحول جميع أنظارنا نحو حركات الدول التي ليس في يدنا من أمرها شيء . أمّا ما يتفوه به بعض الناس من أن الذي يحفظ ما لدينا من الحرية بعد خروج الإنجليز هو أن تصير مصر مثل دولة البلجيك تحت رعاية الدولة فإنه أمر يفوق معلوماتنا ونلتمس منهم أن يبينوا لنا كيفية حصول ذلك بالتفصيل حتى نقتنع وننضم إلى رأيهم .
ضياء الخافقين — صفحة 239 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني