تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧

12 - شباب الإسكندرية

كثيراً ما كنت أجيل أفكاري ، وأردد خواطر اعتباري في أحوال الشرقيين الذين هم آلى وبنوآبائى ، وسعادتى بسعادتهم ، وشقائى بشقائهم ، وما وصلوا إليه من رداءة الأحوال وغاية الانحطاط ، والتردى في مهاوى الشقاء ، وانفتاح أفواه طمع الغربيين لالتقامهم ، والتهام ما بأيديهم ، وامتداد سلطتهم في بلادهم ، وكنت في حيرة أطلب الوسائل لخلاص أهالي تلك البلاد مما هم فيه والارتفاع بهم من تلك الدركات إلى أعلى الدرجات ، فكانت تعييني الحيل ، وتنقطع بين يدي الأسباب ، وكان أسفى يزداد عندما أنظر ذاك المجد القديم الذي كانت تلك البلاد متوجة به ، وتيجانها مكللة بفخره ، وكان يأسى يغالب رجائي ، وقنوطى يغالب أملى ، والأولان يغلبان ، إلى أن اتفق لي السفر إلى مدينة الإسكندرية من بضعة أيام ، فلما وردت إليها وجدت شبانها على غاية من الفضل والكمال وكرم الأخلاق ، ولطف السجايا ، وشدة الشوق إلى المعالي . والتولى إلى نبيل المجد الحقيقي ، وفي أسمى درجات الشغف بإحياء الوطن ، وإعلاء كلمة الأمة ، ورفع لواء مجدها وفخرها مع ما هم فيه من الغنى والثروة وتوفر دواعي الترف والانغماس في النعيم وغير ذلك من الأسباب التي لو اجتمعت لشيخ عمر ألف سنة لاجتذبته إلى اعتناقها ، وألهته عن النزوع لسواها فضلا عن فتيان هم في عنفوان شبابهم ، فقد غضوا أبصارهم عن جميع ما يملكون من القصور المشيدة ، والجواهر الثمينة والأموال الوافرة ، وولوا وجوههم نحو اكتساب الشرف وبقاء الذكر الجميل ، وتعالت هممهم عن أن تميل إلى اللذات الفانية ، والزخارف البالية ، وأخص من بينهم شبان آل بيت منشة ، وآل بيت الكونت زغيب ، وآل بيت المخلع ، وآل بيت قطة ، وآل بيت سرسق ، وهم من قد بلغوا من المجد ذراه ، ومن الفخار والفضل قصاراه ، ومن حسن التربية أعلى