تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تمام نهج البلاغة — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢

هَيْهَاتَ ، إِنَّ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَالأَدَوَاتِ ، فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خاَلقِهِِ أَعْجَزُ ، وَمِنْ تنَاَولُهِِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقينَ أَبْعَدُ . وَكَانَ مِنِ اقْتِدَارِ جبَرَوُتهِِ ، وَبَديعِ لَطَائِفِ ( 1 ) صنَعْتَهِِ ، أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ ( 2 ) الزّاخِرِ ، الْمُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ ، يَبَساً جَامِداً ، ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً ، فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَموَاتٍ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا ، فَاسْتَمْسَكَتْ بأِمَرْهِِ ، وَقَامَتْ عَلى حدَهِِّ . وَأَرْسى أَرْضاً يَحْمِلُهَا الأَخْضَرُ الْمُثْعَنْجِرُ ، وَالْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ ، قَدْ ذَلَّ لأمَرْهِِ ، وَأَذْعَنَ لهِيَبْتَهِِ ، وَوَقَفَ الْجَاري مِنْهُ لخِشَيْتَهِِ . وَجَبَلَ ( 3 ) جَلَاميدَهَا وَنُشُوزَ مُتُونِهَا ، وَأَطْوَادَهَا ، فَأَرْسَاهَا في مَرَاسيهَا ، وَأَلْزَمَهَا قَرَارَاتِهَا ، فَمَضَتْ رُؤُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ ، وَرَسَتْ ( 4 ) أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ ، فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا ، وَأَسَاخَ قَوَاعِدَهَا في مُتُونِ أَقْطَارِهَا ، وَمَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا ، فَأَشْهَقَ قِلَالَهَا ، وَأَطَالَ أَنْشَازَهَا ، وَجَعَلَهَا لِلأَرْضِ عِمَاداً ، وَأَرَّزَهَا فيهَا أَوْتَاداً ، فَسَكَنَتْ عَلى حَرَكَتِهَا ( 5 ) ، مِنْ أَنْ تَميدَ بِأَهْلِهَا ، أَوْ تَسيخَ بِحِمْلِهَا ( 6 ) ، أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا ( 7 ) . فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا ، وَأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا ، فَجَعَلَهَا لخِلَقْهِِ مِهَاداً ، وَبَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً ، فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ ، رَاكِدٍ لَا يَجْري ، وَقَائِمٍ لَا يَسْري ، تكُرَكْرِهُُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ ، وَتمَخْضَهُُ الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 8 ) . [ ثُمَّ ] ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَمَوَاتٍ ، وَسَاكِنٍ وَذي حَرَكَاتٍ ، وَأَقَامَ مِنَ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ ، عَلى لَطيفِ صنَعْتَهِِ ، وَعَظيمِ قدُرْتَهِِ ، مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ ، وَمُسَلِّمَةً لَهُ ، وَنَعَقَتْ في أَسْمَاعِنَا دلَاَئلِهُُ عَلى وحَدْاَنيِتَّهِِ ، وَمَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلَفِ صُوَرِ الأَطْيَارِ الَّتي أَسْكَنَهَا أَخَاديدَ الأَرْضِ ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا ، وَرَوَاسِيَ أَعْلَامِهَا ، مِنْ ذَوَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ ، مُصَرَّفَةٍ

هامش
( 1 ) - لطيف . ورد في نسخة نصيري ص 137 .
( 2 ) - اليمّ . ورد في نسخة العام 400 ص 295 . ونسخة ابن المؤدب ص 209 . ونسخة الآملي ص 183 .
( 3 ) - جلد . ورد في نسخة العام 400 الموجودة في المكتبة الظاهرية ص 295 .
( 4 ) - رسبت . ورد في المصدر السابق . ونسخة ابن المؤدب ص 209 . ونسخة نصيري ص 137 .
( 5 ) - حركاتها . ورد في نسخة الجيلاني الموجودة في مكتبة الإمام الرضا عليه السلام في مدينة مشهد .
( 6 ) - بحملتها . ورد في نسخة الأسترآبادي ص 342 .
( 7 ) - موضعها . ورد في نسخة العطاردي ص 247 .
( 8 ) النازعات ، 26 .
تمام نهج البلاغة — صفحة 122 | السيد صادق الموسوي