خليلي ما بال الدجى لا تزحزح * وما بال ضوء الصبح لا يتوضح
أظن الدجى طالت وما طالت الدجى * ولكن أطال الليل سقم مبرح
أضلّ النهار المستنير طريقه * أم الدهر ليل كلهّ ليس يبرح
إلى أن قال : فلما مضى سألت عنه فقيل : هو أبو تمام الطائي . وهذا مع كونه عن هوى لا يبعد حيث انهّ هو راوي مدح بيته وضعه له لترويجه ، وإلا فأين المعاني العالية التي تضمّنها ثلاثة الثلاثة من شطره العامي ( 1 ) . وفيه : قال مسلمة بن مهدي : قلت لأبي العتاهية : من أشعر الناس فقال : جاهليا أم إسلاميا أم مولدا قلت : كل . قال : الذي يقول في المديح :
إذا نحن أثنينا عليك بصالح * فأنت كما تثنى وفوق الذي تثنى
وان جرت الألفاظ منّا بمدحة * لغيرك إنسانا فأنت الذي تعنى
والذي يقول في الزهد :
وما الناس إلّا هالك وابن هالك * وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشفت * له عدوّ في ثياب صديق
ولقيت العتابي فسألته عن ذلك ، فردّ علي مثل ذلك ( 2 ) . وفيه قال مسعود بن بشر : لقيت ابن مناذر بمكّة - وكان عالما بالشعر زاهدا في الدنيا - فقلت له : من أشعر الناس فقال : من إذا شبب لعب وإذا أخذ في ماجد قصد . قلت : مثل من قال : مثل جرير إذ يقول :
ان الذين غدوا بلبك غادروا * وشلا بعينك لا يزال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن لي * ما ذا لقيت من الهوى ولقينا
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 8 : 312 .
( 2 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 7 : 344 ، والأدبيات لأبي نؤاس .