يقال له : يوم اللوى ، ومضى بها ، ولما كان منهم غير بعيد قال : انزلوا بنا . فقال أخوه دريد : نشدتك اللّه ألّا تنزل ، فإنّ غطفان ليست بغافلة عن أموالها . فأقسم لا يريم حتى يأخذ مرباعه ، وينقع نقيعة ، فيأكل ويطعم ويقسم البقية بين أصحابه . فبينا هم في ذلك وقد سطعت الدواخن ، إذا بغبار قد ارتفع اشدّ من دخانهم ، وإذا عبس وفزارة وأشجع قد أقبلت ، فقالوا لربيئتهم : انظر ما ذا ترى فقال : أرى قوما جادا كأنّ سرابيلهم قد غمست في الجادي . قال : تلك أشجع ليست بشيء . ثم نظر ، فقال : أرى قوما كأنّهم الصبيان أسنتهم عند آذان خيلهم . قال : تلك فزارة . ثم نظر فقال : أرى قوما أدما كأنّهم يحملون الحبل بسوادهم ، يخدّون الأرض بأقدامهم خدّا ، ويجرّون رماحهم . قال : تلك عبس والموت معهم ، فتلاحقوا بالمنعرج من رميلة اللوى ، فاقتتلوا فقتل عبد اللّه بن الصمة ، فتنادوا : قتل أبو دفافة . فعطف دريد فذبّ عنه فلم يغن شيئا ، وجرح دريد فسقط فكفّوا عنه وهم يرون أنهّ قد قتل ، واستنقذوا المال . قال دريد : فأمهلت حتى إذا كان الليل ، مشيت وأنا ضعيف قد نزفني الدم حتى ما أكاد أبصر ، فجزت بجماعة تسير فدخلت فيهم ، فوقعت بين عرقوبي بعير ظعينة ، فنفر البعير فنادت : نعوذ باللهّ منك . فانتسبت لها ، فأعلمت الحي بمكاني فغسل عني الدم وزودت زادا وسقاء فنجوت . وقال يرثي أخاه :
أعاذلتي كلّ امرى ء وابن امهّ * متاع كزاد الراكب المتزوّد
أعاذل إنّ الرزء أمثال خالد * ولا رزء ممّا أهلك المرء عن يد
نصحت لعارض وأصحاب عارض * ورهط بني السوداء والقوم شهّد
فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى * فلم يستبينوا الرّشد إلّا ضحى الغد
فلمّا عصوني كنت منهم وقد أرى * غوايتهم أو أنّني غير مهتد