وتواتر أن عمر نفسه كان يفزع إليه في كلّ موضع يلتبس الحق عنده ، فيكشفه له ، فيقول : لا عشت لمعضلة ليس لها أبو الحسن ، حتى انهّ صار كلامه مثلا ، فقالوا « معضلة ولا أبا الحسن » ( 1 ) . وقد رووا ان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله انما لقب هذا اللقب أمير المؤمنين ، فروى أبو بكر بن أبي الثلج عن أبي سخيلة قال : أنا وعمّار حاجّين ، فنزلنا عند أبي ذر ، فأقمنا عنده ثلاثة أيام ، فلما دنا منّا الخفوق قلت له : يا أبا ذر ألا ترى قد دنا اختلاط من الناس فما ترى قال : الزم كتاب اللّه وعلي بن أبي طالب ، فاشهد على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله انهّ قال : علي أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصدّيق الأكبر ، والفاروق بين الحق والباطل ( 2 ) . فان أرادوا في التلقيب بالصدّيق والفاروق مجرّد اسم بلا مسمّى ، بل مع معنى بالضد كما قالوا في الفارسية
، كما في ألقاب الخلفاء العبّاسية « المتوكل على اللّه » ، و « المعتصم باللهّ » ، فلا مشاحة ، إلّا انّهم لم ينسبوها إلى الشارع الحكيم الذي لا يقول ولا يفعل شيئا جزافا . فإن تجاوزنا في الصدّيقية والفاروقية عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، لم لا نسمّي أبا ذر صديقا ، وقد قال النبي فيه « ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر » ( 3 ) ، ولم لا نسمّي ذا الشهادتين فاروقا ، وقد فرّق بين ادّعاء النبي وادعاء غيره ، فشهد له بما لم تره عينه لعصمته ، فجعل النبي لذلك شهادته شهادة رجلين ، وسماّه ذا الشهادتين ( 4 ) .