وأمّا العارفون ، فإنّهم يرون أنّ اللَّه تعالى يتجلّى في كلّ نفس بالأسماء الجماليّة والجلاليّة معاً ، فيخلع بالأولى على العالم خلعة الوجود ، ويخلعها عنه بالثانية بإرجاعه إيّاه ، بل برجوعه بنفسه إلى هلاكه الأصلي وبطلانه الذاتي ؛ إذ كلّ شيء يرجع إلى أصله ، وهكذا دائماً .
ففي كلّ آن هو في شأن يذهبكم ويأت بآخرين ، وهو أحد معاني قوله تعالى :
« وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ »
« 1 » .
ولا يتكرّر التجلّي ، فإنّ ما يوجب البقاء غير ما يوجب الفناء . وفي كلّ آن يحصل البقاء والفناء ، وكلّ تجلّي يعطي خلقاً جديداً ويذهب بخلق . وهو أحد معاني قوله سبحانه :
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ »
« 2 » . وأحد معاني قوله عزّ وجلّ :
« كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ »
« 3 » ، أي كلّ وقت أريد به الآن وهو أصغر الأيّام . وأحد معاني قوله عزّ وجلّ :
« خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ »
« 4 » .
ففي تفسير علي بن إبراهيم المنسوب إلى أهل البيت عليهم السلام : أي وقتين ، ابتداء الخلق وانقضاؤه « 5 » .
وقال في قوله جلّ اسمه
« فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ »
« 6 » : في وقتين ، إبداء وانقضاء .
والسرّ فيه أنّ الممكن مفتقر في حدّ ذاته إلى موجد قيّوم ؛ لأنّه في حدّ ذاته معدوم ، فهو في كلّ آن معدوم في ذاته ، موجود بموجده ، مفتقر إلى وجوده الجديد بعد وجوده الفقيد . فلا يزال اللَّه سبحانه يبدع ويصنع ويخلق ويرزق .
روى في التوحيد عن الصادق عليه السلام : ( في قول اللَّه عزّ وجلّ :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
« 7 » .
قال : لم يعنوا أنّه هكذا ، ولكنّهم قالوا : قد فرغ من « 8 » الأمر فلا يزيد ولا ينقص . فقال اللَّه جلّ جلاله تكذيباً لقولهم :
« غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ
هامش
( 1 ) - الواقعة : 60 - 61 .
( 2 ) - الرعد : 39 .
( 3 ) - الرحمان : 29 .
( 4 ) - فصّلت : 9 .
( 5 ) - تفسير القمي ، ج 2 ، ص 262 .
( 6 ) - فصّلت : 12 .
( 7 ) - المائدة : 64 .
( 8 ) - مط : - من .