الجنّة منزله ) « 1 » .
إن قيل : كيف يعطى المشرك جزاء معصية الموحّد ، ويعطى الموحّد جزاء طاعة المشرك ؟
وكيف يليق هذا بالعدل ؟
قلنا : ذلك لأنّ المشرك بحسب مقتضى طينته الخبيثة إنّما يحنّ وينزع إلى المعاصي بطبعه وسجيّته وضميره معقود على فعلها دائماً إن تيسّر له ؛ لأنّه من أهلها ، كما قال اللَّه تعالى فيهم :
« وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ »
« 2 » . والأفعال الحسنة غريبة منه ، ليس صدورها من طينته الأصليّة .
وهذا بخلاف المؤمن ؛ فإنّه بحسب مقتضى طينته الطيّبة إنّما يرتكب القبيح بكره من عقله ، ووجل من قلبه ، وخوف من ربّه ؛ لأنّ صدوره منه غريب من سجيّته وطبعه الأصلي ، إذ ليس هو من أهله . ولهذا لا يعاقب عليه ؛ بل يثاب بما لم يفعل من الخيرات لحنينه إليها وحرصه عليها وعقد ضميره على فعلها دائماً إن تيسّر له ( فإنّ الأعمال بالنيّات ) « 3 » ، ( وإنّما لكلّ امرئ ما نوى ) « 4 » . وإنّما ينوي كلّ ما يناسب طينته الأصليّة ويقتضيه جبلّته التي خلق عليها ، قال تعالى :
« قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا »
« 5 » .
وفي الحديث : ( إنّما يجمع الناس الرضا والسخط ، فمن رضي شيئاً ، فكأنّما أتى به وإن لم يفعله .
وسخط شيئاً ، فكأنّما لم يأت به وإن فعله . وكما يجازى المشرك بحسناته في الدنيا بالنعم الدنيويّة ، كذلك الموحّد يجازى بسيّئاته في الدنيا بما يصيبه من الآلام فيها ، ثمّ بتشديد الموت عليه ، ثمّ بعذاب البرزخ إن بقي من الجزاء بقيّة حتّى يلقى اللَّه طاهراً مطهّراً ) ، كما ورد في الآيات والأخبار .
ويدلّ على هذا التحقيق ما رويناه عن أبي إسحاق الليثي عن الباقر عليه السلام في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة ، أنّه قال : ( اعلم أنّ اللَّه عزّ وجلّ خلق أرضاً طيّبة طاهرة وفجّر فيها ماء عذباً زلالًا فراتاً سائغاً ، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت ، فقبلتها فأجرى عليها ذلك
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 91 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1453 .
( 2 ) - الأنعام : 28 .
( 3 ) - صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 2 .
( 4 ) - سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1413 .
( 5 ) - الأسراء : 84 .